الأيديولوجي الذي يناقشه بازرگان - إلى نسف أساس الارتباط بين الدين والدنيا ؟ ! هل لا يمكن التخلّص من المشكلة المفترضة إلا بهذه الطريقة ؟ هل يصحّ أن أعالج وجع الرأس بقطع الرأس نفسه ؟
إذا لم يولِ بازرگان بالًا لأصل النصوص الدالّة على شموليّة الشريعة ، فقد كان بإمكانه اختيار بدائل أخفّ تحقّق له غرضه ، من نوع الفهم المقاصدي للدين ، أو الحديث عن الأوّلي والثانوي أو الحديث عن تاريخيّة الأحكام في الجملة أو غير ذلك ، فلم يكن بازرگان مضطراً لإحداث القطيعة بالشكل الذي ذكره بين الديني والدنيوي دون اختبار البدائل المتوفّرة ، الأمر الذي لم نشهده واضحاً بشكل كبير في أعماله .
إنّ المشاكل التي تعرّض لها بازرگان واعتبرها نتيجاً طبيعياً لتحويل الدين من بُعده الأخرويّ إلى بعده الدنيوي ، هي إشكاليّات داخل النظريات الفقهيّة ، وليست إشكاليّات تطال الفقه نفسه ، ومن ثمّ فلماذا لم يذهب بازرگان نحو سائر النظريات المطروحة في الفقه ، خاصّة تلك التي تؤمّن الحريّة وتخفّف من السلطة المطلقة في المجتمع ، من نوع الديمقراطية الإسلاميّة وقضايا مناقشة الإكراه وغير ذلك .
وهذا بعينه يواجهه علي عبد الرازق ؛ فإذا كانت فكرة الخلافة بمفهوم النيابة عن النبي تستلزم حياةً سياسيّة مغلقة وقمعيّة ، فإنّ هذا لا يعني سلب صفة الحكم عن الإسلام ، بل بالإمكان الذهاب خلف نظريّات عديدة في الفقه الإسلامي تحافظ على بُعده الحكومي وفي الوقت عينه تتفادى إشكاليّات النظام السلطاني في الخلافة ، خاصّة وأنّ الفقه السنّي بالخصوص يتحمّل - بصرف النظر عن طبيعة التجربة التاريخيّة - فكرة أنّ السلطة يأخذها الحاكم والخليفة من البيعة والعقد الاجتماعي ، ومن ثمّ فنحن بحاجة بعد ذلك إلى وضع معايير قانونيّة أكثر تطوّراً لتفادي طغيان الخليفة ، والتمكّن من عزله إذا حصل هذا الطغيان ، بدل هيمنة التبريرات الجاهزة والناجزة له والتي لا نستطيع بحال أن نعزله وفقاً لها ، بل يمكن ما دمنا نتحرّك في فلك العقد الاجتماعي أن نتكلّم عن مدد زمنيّة محدّدة للخلافة ، وهذه كلّها نظريّات داخل إطار حاكميّة الإسلام ، وليست مخارجةً له .
إنّ ما قبله عبد الرازق من أصل ضرورة السلطة هو بعينه ما يريده الآخرون تقريباً ، غاية الأمر أنّ آليات بناء السلطة يمكن النقاش فيها ، وبنود القوانين يجب أن يرجع فيها إلى الشريعة
شمول الشريعة — صفحة 527
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٢٧