تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
وغير ذلك .

6 - هل تنافي دنيويّة الدين مبدأ التوحيد ؟

أصرّ بازرگان على أنّ مبدأ التوحيد تنافيه دنيويّة الدين ، ويجب عليّ هنا أن أقبل بكلّ وضوح القلق الذي أبداه مفكّرون - من أمثال بازرگان - في هذا الإطار فهو قلق مبرّر إلى حدّ بعيد جداً ، وغالباً ما تأتي حالة تغيير الهويّة الدينيّة من اخرويّة إلى دنيويّة بسبب ظاهرة المصلحة والسلطة بأنواعهما ، فالسلطة تجعل الإنسان يقوم بتحويل هويّة الدين وهو لا يشعر ، وهذا قلق روحي أخلاقي عميق عاشه الكثير من العرفاء والمتصوّفة وأصحاب النزعات الروحيّة ، وقد رأينا كيف أنّ التصوّف نما في ظلّ تعالي منسوب اللهث خلف الدنيا في الوسط الديني ، كما رأينا كيف أنّ الرهبانية انتشرت بشكلٍ واسع للغاية في المسيحيّة عقب صيرورة هذا الدين هو الدين الرسمي للدولة مع الإمبراطور الروماني قسطنطين أوائل القرن الرابع الميلادي . لكنّ هذا القلق المشروع لا يلغي أصل فكرة أنّ الدين للدنيا بنسبة معيّنة ، فهذا القلق هو قلق من تحييد البعد الأخروي في الدين لا من أصل وجود البعد الدنيوي وجوداً يقع تحت مظلّة البعد الأخروي وفي درجةٍ تالية له . علينا هنا أن نقرّ في المقابل بأنّ التركيبة النفسيّة البشريّة تميل للماديات ، وأنّ القرآن بنفسه قدّم الآخرة بدرجة معتدّ بها بوصفها سلسلة من الملذّات الماديّة ، بل ثمّة نصوص قرآنيّة توحي بأنّ القرآن يرغّب الناس بالدين من خلال أنّه يفضي إلى صلاح دنياهم المادية ، مثل قوله تعالى :
( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ )
( المائدة : 66 ) ، وقوله تعالى :
( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً )
( الفتح : 18 - 20 ) ، وقوله تعالى :
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ )
( الأعراف : 96 ) . بل لدينا في النصوص الحديثيّة كلام أكثر من أن يُحصى حول الفوائد الدنيويّة للكثير من