رغم كلّ هذه التيارات المعارضة القويّة - فكرة نقض الخلافة بوصفها ضرورة ، مع أنّ ذلك كان مناسباً لهم ؟ وإذا كانت المعارضة تخشى على نفسها فإنّ كونها معارضة كان بذاته مدعاة للخشيّة ، فلم تقدر مقاربة عبد الرازق أن تلامس جوهر الموضوع بالطريقة التي جاءت فيها ؛ لأنّ السلطة والمعارضة توافقا على فكرة الخليفة رغم اختلافهما في شخصه ، فلم تكن السلطة هي السبب الوحيد في انعقاد هذا الإجماع .
ثالثاً : إنّ حديث عبد الرازق عن أنّ المسلمين لم يكتبوا في علم السياسة الذي ورثوه من اليونان بسبب طبيعة السلطة القهريّة ، غير دقيق ؛ ولا أريد أن أخوض في هذا البحث الذي ناقشه فيه شيخ الأزهر الشيخ محمّد الخضر حسين ، ذاكراً له سلسلة من الأعمال التي قدّمها المسلمون في مجال علوم السياسة والاجتماع « 1 » ، بل أريد أن أضيف لما ذكره فضيلة الشيخ محمّد الخضر حسين بأنّ التراث الفقهي بنفسه هو تراث سياسي ، فقد غاب عن عبد الرازق البحوث الفقهيّة المتصلة بالقضاء والمرافعات والشهادات والمحاكم ( السلطة القضائيّة ) ، وغاب عنه فقه الحدود والتعزيرات والقصاص والديات ( النظام الجزائي والجنائي ) ، وكذلك فقه الحرب والجهاد والسلم والمعاهدات ( السياسة الحربية والدفاعيّة ) ، وكذلك فقه الضرائب مثل الخمس والزكاة والخراج والجزية ، وكذلك فقه الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذلك فقه الأموال العامّة مثل إحياء الموات والمشتركات والأنفال والفيء والأوقاف ، وغير ذلك ممّا هو من شؤون تنظيم المدن والمصالح العامّة ، ولا ينفكّ عن الفقه السياسي بالمعنى الذي جاء في التراث اليوناني بل هو صيغ مطوّرة له .
نعم ، علم السياسة كان عقليّاً في صورته اليونانيّة ، فغلب عليه الطابع النقلي الفقهي ، وإن كانوا قد تناولوا قضيّة الإمامة والخلافة وشروط الإمام والخليفة في كتبهم الكلاميّة ، وهذا لا يلغي وجود الدرس السياسي في التراث الإسلامي ، بقدر ما يؤكّد على أنّ علم السياسة العقلاني والفلسفي قد تراجع أو لم يظهر بالشكل المناسب ، لا أنّ علم السياسة والاجتماع لم يكن لهما وجود أصلًا كما قال عبد الرازق ، ومن ثمّ فإذا كان هناك تقصير فهو تقصير الدرس الفلسفي الذي لم يعنَ بالسياسة بالشكل المطلوب ، بل غرق في الماورائيّات والمنطقيّات
هامش
( 1 ) انظر : نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم : 45 - 48 .