فهذه النصوص كما تحتمل التفسير الذي قلناه آنفاً ، كذلك هي تحتمل أن يكون المراد إسقاط مسؤوليّة فعلهم عن النبي ، فالحفيظ والموكَّل بأمر يتحمّل مسؤولية هذا الأمر ، فكأنّ الآيات تريد أن تقول : يا محمد ، إذا قمتَ بما كلّفناك به سقطت المسؤولية عن كاهلك ، وأنت لا تتحمّل مسؤولية وضعهم وانحرافهم ، فلست موكلًا بهم على نحو توكيل الوالد بولده الصغير أو حفيظاً عليهم على النحو عينه ، حتى إذا عرض له شيء تحمّل الوالد تلك المسؤولية ، وتوجّه اللوم إليه في أنّه لم يحفظ ابنه ، مع أنّه في عهدته وتحت وكالته ونظره ، إنّ القضيّة هنا ليست كذلك ، فعليك القيام بواجبك ، وانحرافهم لا يؤثّر عليك ، فلا تحزن لأمرهم ولا يضرّك ضلالهم وزيغهم ، فنفي الوكالة والحفظ هنا تخفيفٌ عن الشعور بالمسؤوليّة لا سلباً للسلطنة عليهم قانونيّاً « 1 » .
وعليه ، فنصوص وظائف النبيّ نصوص تتصل بالإكراه على الدين ، لا أنّها تهجر الدنيا أو الدولة ، ومن ثمّ فإذا تمّ تأمين مبرّر موضوعي بشري لمسألة فرض القوّة في ممارسة السلطة ، فلا يوجد ما ينفي كون المنظومة القانونيّة الدينية يمكن أن تكون دنيويةً ، بل هذه المقاربة في فهم هذه النصوص تستدعيها أيضاً عمليّة مقاربة النصوص القرآنية عموماً لبعضها ؛ فلو كان نظر هذه النصوص لنفي مطلق العنصر السلطوي فكيف يمكن الجمع والتوفيق بين هذه النصوص وبين نصوص العقوبات خاصّة منها الحدود مثل عقوبة الزنا والسرقة والقذف والواردة في الكتاب الكريم ؟ ! فلو كان هدف الأنبياء الدعوة والرسالة والتبشير والإنذار في خصوص الآخرة فكيف نفسّر مثل هذه النصوص السلطويّة بامتياز ؟ ! ليس من تفسير في تقديري سوى أنّ السلطة قد تكون راجعة إلى اختيار اجتماعي تفويضي عبر الدخول في الإسلام والاندماج في بيعته ، وبعد هذا الاختيار تتمّ عملية تنزيل القوانين النبويّة على أرض التنفيذ والإجراء .
هذا كلّه على مستوى النصوص القرآنية التي استندوا إليها ، وأمّا ما اعتمد عليه عبد الرازق من نصوص السنّة الشريفة ، فهو غير مقنع بتاتاً في تقديري ؛ لأنّ النبيّ حينما يقول لتلك المرأة بأنّني لست مَلِكَاً بل أنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد بمكّة أو يخيّره الملاك بين الملكية والعبوديّة
هامش
( 1 ) للتوسّع أكثر في تحليل هذه الآيات وأمثالها ، راجع بحثَنا حول نقد نظريّة الجهاد الابتدائي ، وذلك في كتابنا : دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 4 : 287 - 335 .