غايات المولى سبحانه إلا وفق معيار ، ومجرّد كون الآخرة غاية أعلى لا يسلب كون العناصر الدنيويّة والتأثيرات التي من هذا النوع غاية أدنى ، بحيث يكون المركّب من الغايتين هو الغاية النهائيّة ، فسلب الغائيّة الدنيويّة - ولو بوصفها غائيّة أدنى - ليس سوى مصادرة غير مبرهَنَة قدّمها لنا بازرگان .
أعتقد بأنّ بازرگان أخطأ في المدخل الذي اعتمده في مقاربة هذه النصوص ، وأنّه لو حاول الاستناد إلى تاريخيّة التشريعات الدنيويّة في جميعها أو غالبها ، لكان هذا أقرب له ، كما حاول أن يفعل في نصوص الطبّ النبوي ، غير أنّ هذا الأمر يحتاج هو الآخر لنظريّة عميقة اجتهاديّة تثبت هذه التاريخيّة وبهذه السعة ، ولا يكفي فيها مجرّد إطلاق الدعاوى ، كما يحصل هذه الأيّام ، وبازرگان لم يقم بإحالتنا على مرجعيّة اجتهاديّة تفسّر النصوص الطبيّة النبويّة ، فضلًا عن غيرها ، بوصفها نصوصاً غير دينيّة ، وهذه نقطة نقص في أطروحته .
وأمّا حديث بازرگان عن نصوص العفو في القصاص ، واعتبارها شاهداً على عدم كونها لبناء دولة ، فلا تصلح شاهداً لفكرته ؛ لأنّ الشريعة بتشجيعها على العفو لا تشير لفكرة الدولة ، بل تشير للتمييز بين الحقوق العامّة والشخصيّة ، وهذا موجود في جميع دول العالم ، وإلا فهل يحقّ لنا أن نفهم من نصوص تشجيع الإسلام على العفو أنّه يريد العفو عن المجرمين دوماً الأمر الذي يؤدّي إلى توفير فضاء مساعد للجريمة ؟ !
هذا كلّه في النصوص التي حاول بازرگان إعادة تفسيرها بشكل ينسجم مع نظريّته ، وهو في تقديري غير مقنع .
أمّا ما قاله علي عبد الرازق من عدم كفاية النصوص التشريعيّة في تغطية مشروع إقامة دولة ولوازمها على طول الخطّ الزمكاني إلى يوم القيامة ، فهذا مقنعٌ بالنسبة لي ، وقد سبق أن تحدّثنا عنه وسيأتي المزيد فلا نطيل .
وأمّا النصوص التي قدّمها علي عبد الرازق وبازرگان بوصفها دليلًا على نظريّتهما ، غير ما تقدّم آنفاً وناقشناه ، فهو تكرير القرآن الإعلان عن أنّ الأنبياء ليسوا موكّلين بالبشر ، بل هم دعاةٌ مبشّرون ومنذرون ، فإنّ هذا الإعلان القرآني المكرّر يؤكّد عندهما أنّ الدعوة النبويّة ليس لها أيّ علاقة بالدنيا .
هنا يجب علينا التوقّف قليلًا عند هذه المجموعة من النصوص القرآنيّة ، وذلك أنّنا نلاحظ
شمول الشريعة — صفحة 519
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥١٩