بالإنسان ، كي تتوفّر له أسباب الرقيّ الروحي والخلقي ، فكأنّ الشريعة جاءت لتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية لتوفير المناخ المناسب لحلول القيم الأخلاقيّة ، فبماذا تستطيع نظرية بازرگان أن تجيب هنا في هذه الحال ؟ ! علماً أنّ وجود غرض اخرويّ يمكن تصوّره لهذا التشريع أو ذاك لا يسلب إمكانات الغرض الدنيوي منه ، خاصّة والكثير من هذه التشريعات هي تنظيمات علائقيّة ماديّة دنيويّة ، وإلا لربما يمكن للآخرين أن يسلبوا الصفة الاخرويّة عن العبادات نفسها ، بحجّة أنّ الصلاة رياضة بدنيّة ، وأنّ الصوم ذو منفعة صحيّة ، وأنّ الخمس والزكاة لهما فائدة اقتصاديّة اجتماعيّة ، وأنّ الحجّ له فائدة اقتصاديّة وسياسيّة عظيمة وهكذا !
من هذه النقطة ، نلاحظ أنّ استناد بازرگان للعنصر الكمّي في النصوص الاخرويّة هو الآخر غير دقيق ؛ لأنّ غاية ما يفيده هذا الاستناد هو أنّ الآخرة والله والبعد الروحي أهم وأعمق وأكثر تقدّماً وضرورةً في الدين من أيّ جانبٍ آخر ، لكن هل هذا يعني أنّ الدين لم يهتمّ أيضاً للدنيا ؟ إنّ حوالي نصف سدس القرآن الكريم - على المشهور - يتصل بالأمور الفقهيّة ، ألا يمكن استنتاج أنّ الدين له هدف أعلى وله هدف أدنى ، وهدفه الأعلى هو الله والآخرة ، فيما هدفه الأدنى هو التنظيم العلائقي الأخلاقي الذي يوفّر حياةً سعيدة لدنيا الناس ؟ وبهذا يكون الدين للدنيا والآخرة معاً مع المحافظة على أولويّة الآخرة وتقدّمها ، ويكون هذا الاستنتاج أقرب لعمليّة ضمّ النصوص بمجموعها إلى بعضها بعضاً ، فمحورية الآخرة لا تعني تلاشي الدنيا ، بل تعني طريقيّتها وعدم الوقوف عندها .
ومن الممكن أن يقبل بازرگان بدنيويّة الدين ، لكنّه يعتبر أنّ دنيويّة الدين هي الدنيويّة بالحدّ الأدنى وبمقدار الضرورة ، لا الدنيويّة بالحدّ الأعلى ، ويكون هذا هو قصده من التأثير الدنيوي للتشريعات والغاية الاخرويّة لها . . وهذا كلام يمكن الموافقة عليه ، بمعنى أنّ علينا أن نحدّد مديات تدخّل الدين في إدارة الدنيا ، الأمر الذي يحتاج لمقاربات مختلفة عن مقاربات بازرگان ، وسوف نتعرّض في أواخر هذا الكتاب لنظريّتنا الخاصّة والتي سوف تتوصّل إلى نفي دنيويّة الدين بالحدّ الأعلى ، بتفسيرٍ سوف نذكره فيما بعد إن شاء الله ، لكنّه لا يساوق الدنيويّة بالحدّ الأدنى ، بل هو مفهومٌ وسط .
لكنّ حديثه عن التأثير الدنيوي والغاية الاخرويّة غير دقيق ؛ لأنّ التمييز بين التأثير والغاية يحتاج لمعيار ، فلا أستطيع أن أسلب عن التأثيرات الدنيويّة كونها مأخوذة بنظر الاعتبار في
شمول الشريعة — صفحة 518
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥١٨