تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
بسبب عدم كون الظروف مناسبة لهم أو مؤاتية ، لا بسبب عدم وجود علاقة عضويّة بين الدين والسلطة . ب - إنّ ادّعاء عبد الرازق أنّ النبيّ لم يمارس عمليّة سلطويّة زمنيّة بمعنى الدولة ، وإنّما كانت سلطته روحيّة واجتماعيّة ، يبدو غير مقنع لأيّ متابع تاريخي للسيرة النبويّة ، وذلك أنّ الفترة التي خاضها النبيّ بوصفه رئيساً لمجتمعٍ يدير أموره الحياتيّة لا تتعدّى العشر سنوات ، بل هي أقلّ من ذلك بالتأكيد ، وفي هذه الفترة كان عدد المسلمين قليلًا في الجزيرة العربيّة حتى نهاياتها حيث ازداد العدد في النصف الثاني من العقد الهجري الأوّل ، ولو لاحظنا هذه المدّة القصيرة التي حكم فيها النبيّ مجتمعه ، ذلك المجتمع الذي لم يكن يعرف يوماً مفهوم الدولة المركزيّة ، لرأينا أنّ الخطوات التي قام بها لا تمثل بالنسبة لذلك المجتمع سوى مفهوم الدولة المركزيّة ، وكلام عبد الرازق عن شحّ المعلومات فيه مبالغة واضحة ، فقد ذكرت كتب التاريخ والسيرة أسماءً بالتفصيل لعمّال النبيّ وولاته على المناطق المختلفة من الجزيرة ، فكان له ولاة وعمّال وقضاة وكان يجبي الزكوات ويحارب إذا تمّ رفض تسليمها ، ويأخذ الأخماس ، ويقود الحروب ويوقّع معاهدات السلام ، ويجمع الغنائم ويقسّمها على المقاتلين وعلى مصالح المسلمين ، وكانوا يرجعون إليه في القضاء ، وكان هو السلطة التشريعيّة التي تسنّ لهم القوانين الجديدة المتصلة بالأحوال الشخصيّة والشؤون المدنيّة وقواعد الحرب والسلم . . والأهمّ من هذا كلّه أنّنا لا نعرف في المجتمع الإسلامي في تلك الفترة شخصاً كان يدير شؤون المسلمين وقضاياهم غير النبيّ باستثناء النفوذ المحدود الذي كان يمارسه شيوخ القبائل على قبائلهم . إنّ علينا أن نتصّور مفهوم الدولة بالنسبة لمجتمع مثل المجتمع العربي آنذاك من جهة ، في مقابل تصوّر مفهوم الدولة في القرون الأخيرة ، ونحن نعرف أنّ الدولة الحديثة اتّسع نطاق نفوذها في المجتمع وتولّت الكثير من المسؤوليّات التي لم تكن تعرفها الدولة الحارسة قديماً . وعلينا أن نميّز أيضاً بين الدولة التي تكون صغيرةً وحديثة الولادة في مجتمعٍ لا يقرأ ولا يكتب ، وما يزال يعاني من حروب واستهداف ، وبين الدولة الكبرى المستقرّة التي مضى عليها سنوات طويلة ، وكلّ هذا الخلط بين الأحداث والمفاهيم يوجب وقوعنا في خطأ أنّ النبيّ لم يكن يملك سلطة حكم ، فلا تهمّنا كلمة الدولة بقدر ما تهمّنا كلمة الحكم وإدارة دنيا الناس . ولا أدري لماذا لم يقتنع عبد الرازق بتحليله الأخير الراجع إلى عفويّة التجربة النبويّة وطبيعة