أنتم تملكون الإمكانات الذاتية والاجتماعية التي تسمح لكم بإدارة أموركم بما فيه رعاية الصالح العام والقيم الدينيّة العليا ؟ هل ثمّة شيء يمكنه أن يجعل فرضيّتنا هذه مستحيلة ؟
يبدو من العسير للغاية الوقوف بوجه مثل هذه الفرضيّة ، لا بمعنى أنّها ثابتة ، بل بمعنى أنّها ممكنة ، وإمكانها هنا يعيق قدرتنا على استنتاج رساليّة السلطة من التجربة نفسها ، فما ابتدأ به عبد الرازق خطوته كان ناجحاً في تقديري لو تركنا النصوص جانباً واكتفينا بالتجربة ، وهو يعني أنّ السلطة ليست سوى وسيلة اضطراريّة من وسائل حماية الدين واستقراره ( عنوان ثانوي قاهر ) ، لا أنّها جزءٌ لا ينفكّ عن الدين نفسه ، فلو فرضنا - ودعونا نقول بأنّ فرض المحال ليس بمحال - أنّ ظرفاً ما حقّق المصالح الدينيّة دون الحاجة لتدخّل الدين في السلطة ، فهل أنّ التجربة النبويّة تؤكّد هذا التدخّل في هذه الحال ؟
وربما يُطرح هنا أنّ القرآن الكريم يتحدّث عن ضرورة التأسّي بالنبيّ ، وهذا يعني أنّنا ملزمون بالاستنان بسنّته ، ويكفي هذا لاستنتاج أنّ سيرته السياسيّة هي بمثابة مَثَلٍ أعلى للأمّة بعده ، ومن ثمّ فممارسة السلطة نوعٌ من الاقتداء بالنبيّ نفسه ، وهو أمرٌ أمرنا به الكتاب العزيز .
لكنّ هذا الكلام غير دقيق وفقاً لقواعد الصنعة الاجتهاديّة ؛ لأنّ الاقتداء بالنبيّ لا يعني مجرّد ممارسة الفعل نفسه الذي فعله النبيّ أو نسبة هذا الفعل بشكلٍ إطلاقي للدين ، بل لابدّ من أن نتأكّد أنّ النبيّ حين مارس هذا الفعل هل مارسه من موقع أنّه واجب أو مستحب أو جائز ؟ وهل مارسه من موقع العنوان الثانوي والحالة الطارئة أو من موقع العنوان الأولي والحالة العادية ؟ وهذا ما يُسمّى في مباحث حجيّة الفعل النبوي بمعرفة صورة الفعل ووجهه « 1 » ، وفي مثل هذه الحال لا نتمّكن في موضوع بحثنا من التأكّد من أنّ فكرة الدولة كانت جزءاً من رسالته ؛ لأنّه من الممكن أنّ طبيعة الظروف التاريخيّة فرضت عليه الحضور السلطاني بهذا المستوى ، ومن ثمّ فتكون التجربة السياسيّة للنبيّ غير مؤكِّدة لجزئية السلطة للدين ولا نافية ، بل قد تكون مجرّد استلزام زمني للأمر بناء على منطق الضرورة . وهذا الكلام يُقال أيضاً في حالة الكثير من الأنبياء الذين لم يقوموا بالإمساك بالسلطة ، حيث من الممكن أن يكون ذلك
هامش
( 1 ) لمزيد من الاطّلاع على مسألة حجيّة الفعل النبوي وشروط هذه الحجيّة على مستوى الصورة والوجه ، وطبيعة الموقف الاستدلالي من الفعل النبوي ، يمكن مراجعة بحثنا حول هذا الأمر في كتابنا : حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي : 610 - 615 .