صالح أو لا !
إنّ هذه الصورة لاهوتيّة بامتياز ، فليست هذه هي الدعوى ، بل من يدّعي دينيّة الدولة - لا أقلّ الكثير منهم - يرون أنّ المقصود هو حاكميّة القيم والتشريعات الدينيّة ، وفي غير ذلك فإنّ الناس يديرون أمورهم ويشخّصون المصاديق ويعيّنون الموضوعات ، فإذا قصد بازرگان من نفي دينيّة الدولة نفي الدولة التي لا يتخذ فيها أيّ إجراء إلا بإفصاح النصّ عن هذا الإجراء ، فنحن نوافقه في ذلك تماماً ، أمّا دينيّة الدولة بمعنى أنّ قوانينها المدنيّة والجزائيّة والجنائيّة والتجاريّة وغير ذلك لابد أن تكون مأخوذةً من النصوص عن اجتهادٍ فقهي ، فهذه الدينيّة لا تنفي مبدأ الشورى في وضع خطط الحرب وتشخيص الصالح من الفاسد في العلاقات الدوليّة وقضايا السلم والحرب .
ومن هنا يتبيّن لنا جليّاً أنّ بازرگان غير قادر تاريخيّاً على إثبات أنّ سلطة الأنبياء الذين مارسوا السلطة كانت سلطةً زمنيّة وليست دينيّة ، وإن لم يكن خصمه قادراً على إثبات أنّها دينيّة مثلًا .
وإذا أنهينا الكلام حول بازرگان لننتقل إلى علي عبد الرازق في مقاربته النقدية لدلالة التجربة على الربط بين الرسالة والحكم ، فإنّ بإمكاننا أن نعلّق عليه :
أ - كان النقد الأوّل الذي مارسه عبد الرازق أفضل من المسير الذي ساره بعد ذلك ، وذلك أنّه في البداية شكّك في إمكانيّة إثبات أنّ التجربة الزمنيّة النبويّة هي جزء من الوحي والرسالة . إنّ هذا الأمر يبدو - لو تركنا النصوص جانباً - معقولًا ، فكلّ ما نملكه في التجربة التاريخية هو أنّ النبيَّ مارس السلطة وكان زعيماً لدولةٍ وأمّة وجماعة ، لكن هل هذه التجربة لوحدها تمكّننا من أن نُثبت أنّه فعل ذلك انطلاقاً من كونه جزءاً من رسالته أو ربما يكون خاض هذه التجربة من خلال أنّ الظروف هي التي فرضت عليه هذا الأمر ؟ فلم يكن بإمكانه أن يدير وضع أمّته الحرج لحماية الدين الجديد إلا بالتصدّي المباشر للحياة السياسيّة والعسكريّة ، لكن هل يمكننا أن نتأكّد أنّ النبيّ لو كانت ظروفه مختلفة ، بحيث انتشر دينه بسرعة فائقة دون عوائق ، ولم يشعر بأيّ خطر يداهم جماعته ، فهل كان سيتصدّى بنفسه لقيادة الدولة وممارسة السلطة ؛ لأنّ ذلك جزء من رسالته التي تجعل تصدّيه وظيفةً دينيّة له أو أنّه كان سيكفيه تكوين الأمّة المسلمة المعتقدة الحاملة للرسالة ، ثم يقول لهم : ليس هناك من ضرورة لكي أمارس السلطة عليكم ، بل
شمول الشريعة — صفحة 514
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥١٤