وبهذا نستنتج أنّ استشهاد بازرگان بالتجربة على فصل الديني عن الزمني والدنيوي غير مقنع ، خاصّة وأنّنا نملك تجارب نبويّة وإماميّة مارست السلطة بوضوح . أعتقد بأنّ بازرگان في مقاربته للتجربة ، كان يريد إثبات الحريّات ، ورفع سمة القهر والإكراه عن الدين ، أكثر من إثبات فصل السلطة عن الدين ، وهذا موضوعٌ آخر ربما نوافقه على الكثير من أفكاره فيه ، وقد تكون بعض الشواهد في التجربة دليلًا عليه .
ومن هنا نستنتج أيضاً أنّ قول بازرگان بأنّنا لا نجد في القرآن أنّ الله أنزله أو بعث الأنبياء لإقامة الدولة والاقتصاد وبناء الحياة الدنيويّة للناس ، بينما نجده يؤكّد بشكل كلّي على ضرورة إقامة العدل وتحقيق الإحسان والإصلاح والإنفاق وخدمة الناس . . هذا القول غير دقيق ؛ لأنّ فكرة الدولة توجد نظريّتان أساسيّتان حولها عند أنصار النظام السياسي الديني في العصر الحديث :
أ - الدولة غاية الدين والشريعة ، وهي بنفسها جزء التعاليم الدينيّة وتحظى بقداسة .
ب - الدولة ليست جزءاً من التعاليم الدينيّة ولا غرضاً ولا غاية ، بل هي مجرّد وسيلة حصريّة لتحقيق التعاليم الدينيّة .
وبناءً على النظريّة الثانية فإنّ ضرورة الدولة لا تأتي من أنّها مطلوبٌ بذاتها ، بل من حيث إنّ تحقيق القيم الدينيّة يستدعي تحقّقها ، وتبعاً لهذه النظريّة لا يمكن لبازرگان أن يستنتج من عدم حديث القرآن أو الأنبياء في رسالاتهم عن تحقيق دولة - بوصفها غرضاً لهم - أنّ الدولة منقطعة الصلة عن رسالتهم ؛ لأنّ رسالتهم لا تتضمّن الدولة ، لكنّها تستلزمها ، والأغراض لا تحملها اللوازم بل الأصول والملزومات ، كما هو واضحٌ بيّن ، فحديثهم عن العدل والإحسان وإحقاق الحقّ وغير ذلك يستلزم الدولة . نعم بإمكان بازرگان أن يناقش في الملازمة المزعومة ، لكنّ هذا غير أن يستنتج من عدم الحديث عن اللازم نفي وجوده ، بل إثبات القطيعة معه .
أضف لهذا كلّه ، أنّ افتراض بازرگان أنّ سلطة من حكم من الأنبياء لم تكن سلطة وحييّة ، بل هي سلطة زمنيّة ، ولهذا انطلقت من المشاورة لا من انتظار الوحي . . يحتاج لتأمّل ؛ فماذا يُقصد من دينيّة الدولة عند من يرفض علمانيّتها الكاملة ؟ كأنّ بازرگان تصوّر أنّ الصورة الوحيدة لمفهوم الدولة الدينيّة هي الدولة التي تتخذ من كلّ تفاصيل خطواتها مرجعيّة النصّ الأولى والأخيرة ، وكأنّ النصّ هو الذي يجب أن يعرّفني ما إذا كان شقّ طريق هنا هو أمر
شمول الشريعة — صفحة 513
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥١٣