تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
يقل لفرعون : تنحّ لكي أكون مكانك على العرش ، بل طالبه بالإيمان والتوحيد . . إنّ هذا الكلام غير مقنع أيضاً ، فالنصّ القرآني واضح في أنّ مجال دعوة موسى وهارون - في تلك الفترة على الأقلّ « 1 » - هي بنو إسرائيل ، ولهذا طالباه بأخذ بني إسرائيل والتوقّف عن تعذيبهم ، فلم تكن مهمّته خارج إطار بني إسرائيل حتى يكون من مشروعه الوصول للسلطة في مصر ، هذا الأمر واضح في النصوص الدينيّة اليهوديّة ، والقرآن يضيف على هذا أنّ موسى دعا فرعون للإيمان ، فكان غرض موسى وهدفه المبعوث لأجله هو إنقاذ بني إسرائيل ودعوة فرعون ، ولمّا لم يستجب فرعون للدعوة ولم يكن ممكناً إسقاط نظامٍ بقوّة فرعون ، صار كلّ عمله على إنقاذ بني إسرائيل للخروج بهم من تحت ظلم فرعون ، ولهذا حكم موسى عمليّاً بني إسرائيل بعد الخروج من مصر ، وطالبهم بدخول الأرض المقدّسة التي كتب الله لهم ، ومقاتلة ( القوم الجبارين ) الذين كانوا يمنعونهم عن ذلك ، ولكنّ بني إسرائيل هم الذين تخلّفوا عن موسى في هذا ، بدل أن يحاربوا لتكون لهم الأرض المقدّسة ، ولهذا نجد أنّ يوشع يفعل ذلك بعد وفاة موسى ، الأمر الذي يجعل بني إسرائيل يحكمون الأرض المقدّسة وصولًا إلى الفترة التي طالبوا فيها نبيّهم صموئيل بمَلِك ، فنصب الله لهم طالوت ( شاول ، في تسمية الكتاب المقدّس ) ملكاً . إنّ هذا التاريخ وقصّة طالوت لا تؤكّد فصل الديني عن السياسي في التجربة الموسويّة واليهوديّة ، بل ربما على العكس تماماً ، تؤكّد الترابط بينهما بشكلٍ من الأشكال : ففي الرواية اليهوديّة وضوح كبير في هذا المجال ، وأنّ طلبهم المَلِكَ أغضب الله تعالى ، فلنلاحظ نصوص العهد القديم ، تقول بصراحة : فاجتمع كلّ شيوخ إسرائيل وجاؤوا إلى صموئيل إلى الرامة . وقالوا له هو ذا أنت قد شخت وابناك لم يسيرا في طريقك فالآن اجعل لنا ملكاً يقضي لنا كسائر الشعوب ، فساء الأمر في عيني صموئيل إذ قالوا أعطنا ملكاً يقضي لنا ، وصلّى صموئيل إلى الربّ ، فقال الربّ لصموئيل : اسمع صوت شعبك في كلّ ما يقولون لك ؛ لأنّهم لم يرفضوك أنت ، بل إيّاي رفضوا حتى لا أملك عليهم حسب كل أعمالهم التي عملوا من يوم أصعدتهم من مصر إلى هذا اليوم وتركوني وعبدوا آلهةً أخرى هكذا هم عاملون
هامش
( 1 ) البحثُ في عالميّة أو عدم عالميّة رسالة بعض الأنبياء ( بل حتى مفهوم العالميّة ) مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، من الأبحاث بالغة الأهميّة ، حيث تبدو النصوص ذات بياناتٍ متنوّعة في هذا الصدد ، وتحتاج لمقاربة جادّة .