التجربة ، فلا نستطيع أن نقتنع كثيراً بمقاربة بازرگان عندما قال بأنّ الأنبياء الحكّام كانوا استثناءاً ، والسبب في ذلك أنّ معلوماتِنا عن عشرات الآلاف من الأنبياء - ولا نعرف عدد الأنبياء بالدقّة ، واليهود ذهبوا إلى أنّ عددهم يتجاوز المليون نبيّ - شحيحة ، بل تكاد تكون معدومة ، فكيف لي أن أثبت الاستثناء والندرة في ظلّ هذا الوضع ، وأنا لا أعرف المعايير التي اعتمدها القرآن في اختيار نماذج من الأنبياء - نيّف وعشرين نبيّاً - للحديث عنهم ؟ ! فأصل فرضيّة الاستثناء غير ثابتة تاريخيّاً بالشكل الذي صوّره لنا بازرگان ، خاصّة وأنّ الكثير من الأنبياء إنّما بعثوا لأماكن محدودة أو قرى أو أرياف ، ومن ثمّ فتكوينهم لنوعٍ من السلطة المحليّة لا يعني ظهور دول كبيرة يفترض أن ينقل لنا التاريخ أخبارها .
وعلى فرض ذلك ، فهل هذا يعني أنّ الأنبياء لم يسعوا للوصول إلى مرحلة تشكيل نظامٍ سياسي - اجتماعي بالضرورة ، أو أنّه يعني أنّ الناس لم تؤمن بهم لهذا إمّا قتلتهم أو أنّ الله أنزل العذاب على تلك الأمم الجاحدة ؟ والفضاء القرآني يساعد على مزدوج ( القتل - العذاب ) ، فليس صحيحاً أخذ جميع الأنبياء بمساقٍ واحد ، ثم القول بأنّهم لم يسعوا للسلطة ، فما دام لا يوجد إمكانية للوصول للسلطة لأنّ الناس لا تؤمن بالأنبياء أصلًا ولم يتّبعهم سوى الأقليّة أو الأرذلون كما هي التعابير التي ينقلها القرآن الكريم ، كيف يمكن موضوعياً طرح الأنبياء كلاماً في السلطة ؟ !
إنّ السلطة هي هدفٌ تالٍ وليست هدفاً أوّل ، فالهدف الأوّل هو تكوين القاعدة المؤمنة للانتقال بها نحو مرحلة تطبيق شرع الله ودينه وقيمه ، وأغلب الأنبياء الذين عرضهم القرآن لنا أنهوا حياتهم أو انتهت حياة أممهم قبل تكوين هذه القاعدة المؤمنة التي يمكن من خلالها إقامة سلطة اجتماعيّة ، ولهذا لم يمارس أو يتكلّم النبيّ محمّد عن أيّ سلطة اجتماعيّة في مكّة ؛ لأنّ القاعدة المؤمنة لا تسمح بذلك إلا عبر الانقلابات العسكريّة ، وبالتالي فيمكن لنا أنّ نقول بأنّ الأنبياء لم يتحرّكوا لتكوين المجتمع والنظام الديني إلا من خلال تكوين الأمّة المؤمنة ، فالدولة هدفٌ تالٍ للأمّة الصالحة ، لا أنّها هدفٌ أوّل يُفرض قهراً على الناس ، وهذا غير أن نقول من الأوّل بأنّ الدولة خارج سياق البرنامج كلّه .
وعندما ننظر في تجربة النبيّ موسى عليه السلام فلن يصحّ كلام سروش وبازرگان معاً من أنّه لم
شمول الشريعة — صفحة 510
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥١٠