الأرجح هو أنّه خرج هادفاً الفرار من البيعة - كما قال بازرگان - لكنّ المرحلة الثانية من حركته - وهي المرحلة المكيّة - كانت التوجّهَ للإمساك بالسلطة في العراق « 1 » ، وصحيح أنّ هذه الحركة بذاتها لا تُثبت الهويّة الدينيّة للسلطة ، لكنّها أيضاً لا تؤكّد سلب هذه الهويّة عنها .
كما أنّ صلح الإمام الحسن عليه السلام لا يدلّ على أنّ السلطة ليست حقّاً إلهيّاً له ؛ لأنّ الصلح لم يكن ناتجاً عن رغبة شخصيّة في التخلّي ، بقدر ما تنبؤنا المعطيات التاريخيّة عن ظروف قاهرة كانت تتصل بقدرته على الإمساك بجيشه وقاعدته الشعبيّة وغير ذلك ، فهل يريد بازرگان أن يصوّر لنا بكلّ براءة تاريخيّة أنّ الحسن بن علي ودون أيّ سبب قاهر ، تخلّى عن السلطة ؛ لأنّه رغب في اعتزال العمل السياسي مثلًا لا غير ؟ وهل إذا كانت السلطة حقّاً إلهيّاً له فهذا يعني أنّه لا يجوز له التخلّي عنها ولو تحت ظروف سياسيّة قاهرة ؟ أليس هذا تفكيراً سكونيّاً في تفسير التاريخ السياسي للمسلمين ؟ !
كما أنّ عدم استجابة الإمام الصادق عليه السلام للرسالة التي وجّهها له أبو مسلم الخراساني ( 137 ه - ) ، تفتح الباب على احتمال أنّ هدف الإمام لم يكن تغيير السلطة الأمويّة بقدر ما كان تعيين البديل لهذا التغيير ، ولهذا تشي بعض النصوص أنّ الإمام الصادق كان يعلم بأنّ الأمر لن يؤول إليه ، ولهذا ورد عنه في جوابه للخراساني ودعوته أنّه قال : ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني « 2 » . ويبدو أنّ أكثر من إمامٍ من أئمّة أهل البيت لم يكن لديهم ثقة بالحركات الثوريّة التي انطلقت في زمانهم ، وكان عدم الثقة أحياناً ناتجاً عن أنّ تحالف هذه الحركات مع كبار وجوه أهل البيت النبوي في عصرهم كان يهدف حشد بعض الجمهور حولهم بهدف استغلال عنوان أهل البيت العاطفي ، حتى إذا ما أمسكوا بالسلطة نحّوا أهلَ البيت جانباً ، فهذا الاستغلال السياسي لعنوان الرضا من آل محمّد ، كان متوقّعاً ، بل قد لاحظناه في التجربة العباسيّة ، وهذا يعني أنّ مقتضى الحنكة السياسيّة أن لا يستجيب أهل البيت لهؤلاء بسهولة ، بل لعلّ سبب تمنّع بعض الأئمّة هو اعتقادهم بأنّ تغيير السلطة في تلك المرحلة كان يستدعي سفكاً عظيماً للدماء ،
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حبّ الله ، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 3 : 303 - 363 .
( 2 ) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 154 ؛ وهذا النصّ يؤكّد أنّ الإمام يعلّل عدم حركته بالظروف الموضوعيّة وليس بأصل موضوع السلطة . هذا ، ولا يعرف التاريخ أنّ الخراساني كان من أصحاب الصادق ، ولا حتى التقى به أكثر من مرّة واحدة .