تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
الحياة الدنيوية أمرٌ مقدور بشريّاً ، ومن ثمّ لسنا بحاجة للنبوّات فيه ؟ لست أريد من هذه المناقشات أن أثبت ضرورة النبوّة بهذه المقاربات التي قدّمها الفكر الفلسفي والكلامي الإسلامي ، فربما يطرح الإنسان بعض التساؤلات النقديّة على هذه المقاربات بوصفه برهاناً على ضرورة النبوّة ، لكن ما أريد التأكيد عليه هنا هو أنّ فكرة بازرگان القائمة على حصر أهداف النبوّات - بحيث يكون غيرها خارجاً عن مجال النشاط النبوي المبرّر موضوعيّاً - بإرشاد الإنسان إلى ما لا يقدر على أن يصل إليه بنفسه ، ومن ثمّ فإدارة الدنيا لا تخضع لغايات البعثة ، هو أمر غير صحيح ، إن من جهة عدم وجود مبرّر موضوعي ملزم عقلًا لحصر هدف النبوّات بالتعليم أو الكشف عن المجهولات ، أو من جهة أنّ إدارة الدنيا لم تنكشف للبشر في التجربة التاريخيّة بحيث يمكننا بضرس قاطع أن نقول : لسنا بحاجة لأحد ، وها نحن ندير أمورنا بأنفسنا على أكمل وجه ، فتحييدُ النبوّة عن إدارة الحياة الدنيويّة بهذا النمط الاحتجاجي غيرُ منطقيٍّ في تقديري .

4 - مظاهر العجز التفسيري للتجربة الدينيّة في سياقها التاريخي

كان واضحاً أنّ عبد الرازق وبازرگان يستهدفان من قراءة تجربة النبيّ والصحابة وأهل البيت النبوي التأكيد على أنّ الوصول للسلطة لم يكن قضيّة دينيّة عندهم ، ولو كان قضيّةً دينيّة لكنّا متوقّعين لسلوك مختلف لهم تجاه مسألة السلطة . إنّ الحديث عن القراءة التاريخيّة للتجربة النبويّة وتجربة أهل البيت والصحابة في قضيّة السلطة يحتاج لدراسة مستقلّة ، لكنّي هنا سأحاول فقط استنطاق إمكانات دلالة التجربة على نظريّة بازرگان حصراً في ضوء مقاربته لها ، فهل أنّ التجربة تؤكّد حصراً نظريّة بازرگان في فكّ الاتصال بين الدين والسلطة والدنيا أو لا ، بمعنى هل أنّ التجربة تكرّس القطيعة بين الديني والسلطوي أو لا ؟ وسبب طرح السؤال بهذه الطريقة أنّ هذا الموضوع يمكن تناوله من ثلاث زوايا : أ - زاوية تأكيد القطيعة بين الدين والسلطة الزمنيّة ، فالتجربة تُثبت أنّ السلطة ليست برنامجاً دينيّاً . ب - زاوية أنّ التجربة تُثبت أنّ السلطة برنامج ديني إلهي .