ج - زاوية أنّ التجربة لا تثبت ولا تنفي أيّاً من هذين الادّعائين السابقين .
إنّ مستويات التنظير تختلف بين هذه النتائج الثلاث ، فالادّعاء الأوّل والثاني يقعان على طرفي نقيض ، وهما أشدّ وأعمق من الادّعاء الثالث ، ولهذا فهما بحاجة إلى قوّة دالّة عليهما ، ونحن هنا ندرس إمكانات الادّعاء الأوّل ، ولا يعني ذلك أنّنا لو ناقشنا الادّعاء الأوّل فسوف يثبت قهراً الادّعاء الثاني ، بل من الممكن أن تكون النتيجة هي أنّ التجربة لا تثبت شيئاً هنا ولا تنفيه ( الادّعاء الثالث ) ، لهذا فلا نريد هنا إثبات الادّعاء الثاني ، بل يهمّنا عدم ثبوت الادّعاء الأوّل ، فلنكن على بيّنة من هذا حتى لا تختلط القضيّة علينا .
وهنا يبدو علي عبد الرازق في وضع أفضل من وضع بازرگان ، وذلك أنّ عبد الرازق لم يستنطق التجربة ليُثبت القطيعة بين الرسالة والحكم ، خلافاً لما فعل بازرگان ، بل قام - عبد الرازق - باستنطاق التجربة التاريخيّة لكي يجرّدها من أن تُثبت الربط بين الرسالة والحكم أو بين الدين وإدارة الدنيا ، من هنا يبدو الحِمل على أكتاف بازرگان أثقل منه على أكتاف عبد الرازق ، وسوف نشرع في البداية بنقد مقاربات بازرگان في المستوى الأعلى الذي طرحه ، ثم ننتقل إلى مقاربات علي عبد الرازق ، لندرسها بالخصوص من زاوية بحثنا لا غير ، كما قلنا مراراً .
في تقديري المدخل الأفضل لنا هنا والأكثر منطقيّةً ، هو المدخل الذي يمثل نهجاً نمطيّاً في مناهج علماء أصول الفقه الإسلامي ، وهو أنّ الفعل والسلوك والتجربة العمليّة دليل لبّي صامت ، بمعنى أنّ تصرّفات شخص في فضاء زمني معيّن لا توفّر لنا الكثير من الدلالات الواضحة ، نظراً لتعدّد الاحتمالات التفسيريّة للحدث ما دام صاحب العلاقة لم يفصح بياناً عن شيء ، وإنّما نحن والحدث عمليّاً ؛ لهذا يُفترض أن نتعامل معه على أنّه نصّ فيه قدر كبير من الإجمال ، ومن ثم نأخذ منه الشيء المؤكّد خاصّة .
هل أنّ تجربة أهل البيت تعطي - قهراً - فصلَ الدين عن السلطة واعتبار السلطة غاية غير دينيّة ؟ وهل يمكن اعتبار تجربة الأنبياء والأئمّة دليلًا على علمانيّة الدين ، وفصله الدنيا عن الآخرة ؟
أعتقد بأنّ بازرگان دمج بطريقة غير صحيحة بين عدّة أمور هنا :
أ - السلطة قضيّة دينيّة إلزاميّة فوق اختيار آحاد الأمّة .
شمول الشريعة — صفحة 506
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٠٦