تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
كذلك كمال ، وكما لم تضرّ اللذات ( نعيم الجنّة ) بكمال الإنسان في الآخرة ، فإنّ قصده لها في الدنيا لن يكون منافياً لكماله ، ما دام هذا القصد يقع في سياق الكمال المجموعي العام . وبعبارة أخرى : إنّ الكمال الدنيوي المتجلّي في الصحّة البدنيّة والسلامة النفسيّة والقوّة الجسديّة والمكنة الماديّة والموقعيّة الاجتماعيّة . . لا يوجد ما ينافي كونه كمالًا بشريّاً إذا وقع في سياق أو منضمّاً إلى الكمال الأخروي الذي هو البعد الروحي والأخلاقي ، فلماذا تمّ تصوّر الكمال بمعزل عن المصالح الدنيويّة ، ولم يتمّ تصوّره منضمّاً إليها ؟ « 1 » . وبهذا يصبح الدين للدنيا والآخرة معاً ، لكن لا بمعنى أنّه لا ينفع للآخرة إلا إذا نفع للدنيا ، أو أنّ نجاحه في الآخرة مرهون بنجاحه في الدنيا ، بل بمعنى أنّهما نجاحان ملاحظان معاً في الدين . كما أنّه إذا لم يقدر العقل على حلّ إشكاليّة الخلاص في الآخرة ؛ ولهذا كانت النبوّات ، فلن يقدر على حلّ مواقفه في الدنيا ؛ لأنّنا لا نعرف صلة الدنيا بالآخرة حتى نفصل بينهما ، تبعا لعدم معرفتنا بسبيل الخلاص في الآخرة ، وهذا يؤكّد مرجعيّة النصّ مجدّداً لا حذفه ، خلافا لما فعل سروش وبازرگان ، كما علّقنا في النقطة الأولى آنفاً . نعم ، إذا اختار بازرگان وعبد الرازق الاتجاه الأخير ، فإنّ نظريّتهما تصبح محميّة من الإشكاليّات المتقدّمة على مستوى فلسفة النبوّة ، بصرف النظر عن مديات صحّة هذا الاتجاه غير المعرفي ، لكنّ اختيار بازرگان بالخصوص لهذه النظريّة - بل لأيّ من النظريّات السابقة أيضاً - سوف لن يتوالم مع قوله بأنّ الأنبياء جاؤوا لكي يسدّوا فراغاً لا يستطيع الإنسان بذاته أن يسدّه ، بحيث إنّ النبوّات تغدو بلا قيمة لو جاءت لكي تتكلّم عن أشياء يمكن للبشر بعقولهم الوصول إليها ، إلا على تقدير القول بأنّ الإرادة الإنسانيّة ماتت وتحتاج للنبوّات في بعثها ، وهي فكرة لا تبدو مقبولة في الفضاء الإسلامي ، وإن كان لها وجود في الفضاء المسيحي نتيجة فكرة الخطيئة الأولى للبشر ، في التوجّه الأوغسطيني المعارض للتوجيّه البلاجيوسي . إنّ هذا الكلام غير دقيق ؛ وذلك :
هامش
( 1 ) ويصبح ما نقوله أوضح عندما نذهب مذهب مثل الفارابي والملاصدرا فنقول بأنّ تكامل الإنسان يحتاج إلى الاجتماع ، فتنظيم الاجتماع جزء مقوّم لتأمين كمال الإنسان .
شمول الشريعة — صفحة 503 | حيدر حب الله