أوّلًا : لماذا الإصرار على أن يكون دور الأنبياء والرسل هو تقديم معلومات إضافيّة للإنسان ؟ وما هي المفارقة التي قد نقع فيها لو قلنا بأنّ الأنبياء جاؤوا لكي يؤكّدوا ويكرّسوا الأمور التي توصّل الإنسان إليها من قبل ؟ وذلك أنّ هذه الأمور إذا خضعت لتأثيرٍ غيبي وصارت محميّةً بنفوذ روحي فإنّه من الممكن لذلك أن يقوّي حضورها في المجتمع بحيث تكون أو تصبح أشدّ رسوخاً وأقوى تمكّناً في مواجهة العناصر التي قد تقوم بإلغاء دورها في الحياة ، فقيمة النبوّات يمكن تصوّرها في تكريس الحقائق وليس في الكشف عن المجهولات ، وهذا يعني أنّ بعض الأمور التي يتوصّل إليها الإنسان في إدارة الحياة قد تكون عرضةً للتحريف والتلاعب من قبل البشر أنفسهم ، فيأتي الدين ليقوّي من موقع هذه الحقائق بنسبتها للسماء ، بحيث يغدو من الصعب بعد ذلك تخطّيها لنوازع أو مصالح ، أو يكون من الصعب إزالتها على مستوى النفوذ والتأثير .
وعليه ، ففكرة عبثيّة البعثة لو قدّمت لنا ما يقدر الإنسان على الوصول إليه بعقله غير مقنعة ، خاصّة وأنّ بازرگان اعتبر أنّ المحوريّة الدينيّة تكمن في الله والآخرة ، ولا أدري هل يعتقد بازرگان بأنّ أصل هذين المفهومين ممّا لا يقدر البشر على الوصول إليهما لولا النبوّات ؟
ثانياً : هل أنّ إدارة الحياة بالشكل الأفضل هو أمر يقدر الإنسان على الوصول إليه حقّاً ؟
ليس من شكّ في أنّ الإنسان قادرٌ على الوصول إلى الكثير من الأمور التي تمكّنه من إدارة حياته الدنيويّة ، لكن هل حقّاً يمكن القول - من الزاوية الوقوعيّة والتاريخيّة والتجربيّة - بأنّ الإنسان ، وعلى طول الخطّ الزمني ، اكتشف سبيل إدارة حياته على الأرض ؟ إنّ كلّ هذا التنازع الفكري بين البشر عبر آلاف السنين ليس سوى شاهد على أنّ العقل الإنساني ، وإن كان يمكنه أن يدير الكثير من أمور الحياة الإنسانيّة على الأرض ، إلا أنّ ادّعاء القدرة على إدارة جميع أموره بأحسن السبل وأفضلها على المستوى العملي لا المستوى الإمكاني الافتراضي ، هو ادّعاء يبدو إثباتُه في غاية الصعوبة ، فالنظام الاقتصادي السليم الذي يحفظ للبشر العدالة الاجتماعيّة ويوفّر لهم حياةً أفضل ، ظلّ خلال هذين القرنين الماضيين - على سبيل المثال - محلّ خلاف هائل بين المفكّرين العالميّين ، وكلّ شخص يرى نظاماً مختلفاً ، من الاشتراكيّة والشيوعيّة وحتى الرأسمالية والليبراليّة وما فيهما وبينهما من مدارس وتيارات فكريّة عظيمة ، فكيف لنا أن ندّعي أنّنا لسنا بحاجة إلى يدٍ تمتدّ من السماء لتقدّم لنا الصورة الأفضل لإدارة حياتنا ، حتى ندّعي بأنّ إدارة
شمول الشريعة — صفحة 504
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٠٤