في كلمات الشيخ جعفر السبحاني « 1 » ، بل نرى في كلام بعضهم - مثل الفارابي والملاصدرا الشيرازي في بعض بياناته الأخرى « 2 » - أنّ وصول الإنسان للكمال يكون في الاجتماع ، والاجتماع بحاجةٍ لقانونٍ ونبوّة ، وهذا ما نلمح شيئاً قريباً منه في كلام العلامة الطباطبائي أيضاً « 3 » .
هذه الاتجاهات الثلاثة عادةً ما تطرح في سياق تقليل شأن العقل وإمكانات الإدراك الإنساني لتأكيد الحاجة لمصدرٍ معرفي مفارق ومنفصل عن الإنسان نفسه ، وهو الوحي والأنبياء ، فالإنسان لا يعرف إدارة تناقضات الاجتماع البشري ولهذا يحتاج للنبوّات ، والإنسان لا يعرف طريق تكامله أو خلاصه فلهذا يحتاج للنبوّات .
الاتجاه الرابع : وهو اتجاه منافس لكلّ الاتجاهات السابقة ، حيث يرى أنّ القضيّة لا ترجع لأيّ بُعد معرفي ضروري ، دون أن ننكر أنّ بعض ما جاء به الأنبياء هو بالفعل لا يعرفه الإنسان ، لكنّ نقطة الارتكاز في فلسفة البعثة هو الجانب التذكيري والإيقاظي ، فالإنسان مزوّد بالأدوات لكنّ طغيان النفس يحيجه إلى الضبط ، والأنبياء جاؤوا للتذكير والتنبيه والتربية ، وبذلك يُكبح جماح النفس ويعود سلطان العقل والضمير غير القاصرين لموقعه الطبيعي « 4 » .
وعليه ، فإذا اختار عبد الرازق وبازرگان الاتجاه الأوّل ، فمن الواضح أنّه يقع على النقيض من رفض دنيويّة الدين ، ولا يتوافق مع تصوّراتهما .
وإذا اختارا الاتجاه الثاني أو الثالث ، فإنّهما سيواجهان مشكلةً مركزيّة ، وهي أنّ الغاية من البعثة إذا كانت تكامل الإنسان ، فليس من شيء يفرض الاخرويّة أو الرساليّة حصراً ؛ لأنّ الدنيا والآخرة لن تعودا هدفاً في ذاتهما ، بل الهدف هو كمال الإنسان ، وهذا الكمال كما يمكن تصوّره في الآخرة ( الجنّة ) ، كذلك يمكن تصوّره في الدنيا ، بمعنى أنّ كمال الإنسان في الدنيا هو أيضاً كمال ، وحصوله - على المستوى الفردي والاجتماعي - على عناصر القوّة الدنيويّة هو
هامش
( 1 ) انظر : السبحاني ، الاهيات ومعارف اسلامي ، الدرس : 42 ، 43 .
( 2 ) انظر : الشيرازي ، المبدأ والمعاد : 560 - 564 .
( 3 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن 2 : 111 - 122 ، 131 - 132 ، 148 - 151 ، ( طبع جماعة المدرّسين ) .
( 4 ) انظر : عبد الرحيم سليماني ، فلسفه بعثت أنبيا ، كاستي يا بيداري عقل ؟ مجلّة بجوهشهاي فلسفي - كلامي ، العدد 61 : 91 - 99 .