نعرف أنّ الفكر الديني والفلسفي عبر التاريخ قدّم تصوّراته حول الغرض من بعثة الأنبياء وإرسال الرسل ، ويمكن - باختصارٍ شديد - طرح عدّة اتجاهات ، أو بيانات وصياغات ، هي الأبرز عادةً :
الاتجاه الأوّل : وهو الاتجاه الذي يميل لكون المبرّر الموضوعي لضرورة بعثة الأنبياء هو الإنسان في ظرف الاجتماع أو تنظيم الاجتماع البشري ، بمعنى أنّ تكوّن الاجتماع البشري هو الذي يفرض إرسال الرسل وبعث النُذُر ، فتكوّن الاجتماع البشري يؤدّي إلى تضارب مصالح الناس ، ووقوع التنازع والرذيلة بينهم ، وحيث إنّ الإنسان اجتماعيٌّ بالضرورة أو بالحاجة ، فإنّه لن يستغني عن الاجتماع ، الأمر الذي يفرض وضع قانون لتنظيم الاجتماع البشري خوفاً من سقوط الإنسان وتهاويه .
هذا الاتجاه نجده بادياً أكثر في كلمات فلاسفة مثل ابن سينا والسهروردي وبعض مقاربات الملاصدرا « 1 » ، ولا نلاحظ فيه بوضوح وجلاء دور الآخرة في فلسفة حضور النبوّات في الحياة البشريّة ، فكأنّ النبوّات جاءت لتنظيم الحياة الدنيويّة في أفق الاجتماع .
الاتجاه الثاني : وهو الذي يرى أنّ المبرّر الموضوعي هو تكامل الإنسان ، فلا يقرّب هؤلاء القضيّة من خلال الاجتماع ، بل من خلال أنّ الإنسان لا يمكنه التكامل دون النبوّات .
وفكرة التكامل هنا تظلّ مفتوحة على الآخرة أكثر من فكرة ضرورات تنظيم الاجتماع البشري ، ولهذا تجد ضمن هذا التوجّه حديثاً عن أنّ طريق النجاة الأخروي منحصر بالأنبياء الذين يبلّغوننا ما لا نعرفه عن هذا الطريق .
وهذا الاتجاه نجده في كلمات أمثال الشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي ، والشيخ عبد الله جوادي الآملي « 2 » .
الاتجاه الثالث : وهو الاتجاه الذي يجمع بين المبرّرين السابقين ، إمّا بالضمّ أو بالدمج ، كما نراه
هامش
( 1 ) انظر : ابن سينا ، الشفاء ( الإلهيات ) : 441 - 442 ؛ والإشارات والتنبيهات 3 : 371 - 373 ؛ والسهروردي ، رساله يزدان شناخت ( مجموعة أعمال شيخ الإشراق 3 ) : 453 - 455 ؛ والشيرازي ، المبدأ والمعاد : 557 - 558 ؛ والشواهد الربوبيّة : 359 - 361 .
( 2 ) انظر : مصباح اليزدي ، دروس في العقيدة الإسلاميّة : 176 - 180 ؛ وجوادي الآملي ، دين شناسي : 42 - 47 .