تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
وتربويّة وأخروية وعقديّة ونحو ذلك . ولعلّ بازرگان وعبد الرازق كانا يواجهان وضعاً معاصراً لهما كان يعيشه الفقه أكثر مما كانا يواجهان الفقه في داخل النصوص نفسها ، ونقطة الارتكاز تكمن في كيف يمكننا أن نحوّل الفقه من مجرّد قوانين جافّة تقع الوسائل فيها أهمّ من الأغراض وتُنحر القيم الأخلاقية فيها أحياناً لمجرّد المحافظة على الشكليّات ، وتتمكّن المصلحة فيه من إلحاق الهزيمة بالأخلاق . . إلى مجموعة دساتير تستهدف الأخلاق نفسها وتحكمها الكليّات الأخلاقيّة العليا ؟ ومن الضروري هنا التأكيد على أنّنا نبحث في منع الدين من التدخّل في الدنيا حمايةً لتساميه ، واعتبار ذلك منقصةً له أو مضرّة أو نحو ذلك ، ولا نوافق على مقاربة عبد الرازق وبازرگان لهذا الموضوع حيث نجدها غير مقنعة ، أمّا الحديث عن أنّ الدين هل يمكنه بالفعل أن يدير دنيا الناس ؟ وهل يقدر الفقه على الاستجابة لتحدّيات الدنيويّة على امتداد الخطّ الزمكاني ؟ فهذا موضوع آخر يفرض تحدّيات من نوعٍ آخر ، وليس موضوع حديثنا هنا الساعة . هذا ، وقد حاول بعض ناقدي بازرگان أن يثيروا إشكاليّة هنا في أنّه هل أراد بازرگان تحرير الدين من الدنيا أو تحرير الدنيا من الدين ؟ إنّ الناقدين هنا يرون أنّه تورّط في مقاربة المسألة الدينيّة مقاربة وظيفيّة ، أيّ أنّه بحث عن وظيفة الدين وما يمكن أن يقدّمه للإنسان ، ولم يبحث عن وظيفة الإنسان وما يمكن أن يقدّمه للدين ، وهذا بالضبط ما يقف على النقيض من المشروع الديني الهادف عند بازرگان للثورة على محوريّة الإنسان لصالح محوريّة الله . لكنّ هذه الملاحظة في تقديري تخترق النوايا أكثر ممّا تقارب نصوص بازرگان في نظريّته هذه ، إذ من الواضح أنّ بازرگان في هذه النظريّة لم ينتصر للإنسان إلا في مسألة واحدة ، وهي حماية حريّته أمام الاستبداد والقهر والقمع ، وكلّ دراسته تبدو واضحة في كونها حريصة على الدين نفسه ، أمّا المناقشة في إطار النوايا فليس أمراً مقبولًا في هذا الفضاء البحثي ، بل إنّ حديث بازرگان عن إعلاء الله عن شأن أن يكون مثل غاندي أو جمشيد كان واضحاً في كونه يحتقر دنيا الناس ، وإن كنّا لا نوافقه على هذه المقاربة كما تقدّم .

3 - تقويم النظريّة في ضوء الاتجاهات الأربعة في فلسفة ضرورة البعثة

لا نريد أن نخوض هنا في تحليل منفصل لأهداف البعثة النبويّة العامّة ، لكن من المناسب أن