بل ربما يسأل سائل هنا وهو أنّه إذا كان المحور الوجودي للإنسان هو الآخرة ، فكيف ضَمِنَ أمثال بازرگان وعلي عبد الرازق أنّ الدين لن يحارب الدنيا ؟ وأين تكمن الإشكاليّة الفلسفية في كون الدين يحارب الدنيا على الطريقة الصوفية الانعزاليّة ؟ لا يبدو لي أمام بازرگان وعبد الرازق من جواب - وفقاً لطريقتهما في المقاربة - إلا أن يجعلا الدين مقرّاً بدنيا الناس ، وأنّ ذهابهم خلف الدنيا ليس في ذاته عملًا غير أخلاقي ، بل قبحه الأخلاقي ينشأ من نوع السلوك الدنيوي ونوع النيّة ، وهذا الإقرار لا معنى له إذا كان الدين يتنزّه عن الشأن الدنيوي بحجّة اخرويّته وفقاً لتعبير بازرگان أو رساليّته وفقاً لتعبير عبد الرازق ، إذ يبدو الأمر متهافتاً في هذه الحال ، فكيف يرضى الدين للناس أن لا يتركوا الدنيا وفي الوقت عينه يتنزّه هو عن دنياهم ؛ لأنّ دنيويّته تنافي اخرويّته ؟ !
هذا كلّه إذا قصد بازرگان وعبد الرازق ما تقدّم ، لكن لعلّ مقصودهما هنا أمراً آخر ، وهو أنّ الدين لو ركّز على شأن إدارة الحياة لتركّزت نصوصه في هذا المضمار ، ولتضاءل فيه الموضوع الأخروي والروحي ، مما سيجرّ إلى ولادة ديانة دنيويّة على الطريقة اليهوديّة لا أخرويّة على الطريقة المسيحيّة ، فتنامي الفقه - بوصفه علماً معنيّاً بشأن الدنيا في مساحة كبيرة جداً منه - سوف يكون على حساب الأبعاد الروحيّة والأخرويّة في الدين ، والتي هي الأمّ والأساس .
فإذا قصد بازرگان أو علي عبد الرازق هذا المعنى ، فهذا الكلام فيه جانب صواب وجانب خطأ :
أمّا جانب الصواب ، فهو أنّنا نعارض تنامي الفقه وتضخّمه إلى حدّ غياب الروح الأخلاقيّة ، وهي إشكاليّة نجدها اليوم قائمةً في المؤسّسة الدينية وليس حديثنا حولها ، لكن - وهنا جانب الخطأ - معارضة تورّم الفقه وابتلاعه سائر الجوانب الدينيّة وصيروته اللباس الذي يلبسه الدين ، ومعارضة تقديم الفقهاء على المفسّرين والعرفاء والفلاسفة بوصفهم الناطقين الرسميّين باسم الدين دون غيرهم ، وهي معارضة نوافق عليها . . لا تعني تحييد الدين عن الدنيا ، ولا فكّ الوصلة بين الدين والسلطة ، بل تعني ضرورة إنتاج فهم جديد للدين يجعل الفقه مجرّد ضلعٍ من أضلاعه ، ويعطيه موقعه الطبيعي في إدارة حياة الناس جسداً وروحاً ، فالفقه لو أعيدت موضَعَتُه ضمن المنظومة الدينية الكاملة ، لأخذ حجمه الطبيعي الذي يشكّل نصف سدس آيات القرآن الكريم تقريباً ، ومثله من السنّة كذلك ، والباقي موضوعات روحيّة
شمول الشريعة — صفحة 499
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٩٩