دنيويّ والمفروض أنّ الدينَ اخرويٌّ ، فبماذا يفسّر لنا بازرگان التجربة السلطويّة النبويّة والعلويّة والحسنيّة والداوديّة والسليمانيّة ؟ وهل يراها خروجاً عن المسار التوحيدي وعودةً غير شعورية إلى منحى الشرك بالله سبحانه ؟ ! بل لنا أن نذهب أكثر من ذلك - وفقاً لعقيدة بازرگان المذهبيّة - لنسأله : كيف يفسّر تنصيب الإمام علي للخلافة بعد النبيّ ؟ وهل يعتبر هذا التنصيب دينيّاً فقط أو أنّه تنصيب سياسي ؟ وإذا كان الإمام عليّ قد نصّب دينيّاً فقط فلماذا كان التنازع على السلطة بعد وفاة النبي كما هي توصيفات بازرگان نفسه للتاريخ ؟
نقطة الخطأ التي وقع فيها بازرگان ومعه علي عبد الرازق ، تكمن - في تقديري - في المعيار الذي بنى عليه في تمييز الدنيوي عن الأخروي ، والمعيار لا يسمح له بافتراض السلطة شأناً دنيويّاً حتى يتنزّه الدين وأهل الإيمان عنه ، بل هو شأن يمكن أن يكون اخرويّاً ، فتصدّي الدين له واهتمامه به هو لممارسة تصويب أخلاقي في القوانين والإجراءات من جهة حتى لا تكون ظالمةً من حيث لا يشعر الإنسان ، وكذلك للقيام بدور تصحيحي للنوايا ومحاربة أشكال القصد الدنيوي في الحياة السلطويّة ، وبهذا كما يمكن تصيير الدين دنيويّاً يمكن للدين أن يصيّر الدنيا دينيّةً بنظامه الأخلاقي هذا .
وإذا صحّت نظريّة بازرگان ، وتخطّينا خصوصيّة فكرة فصل الدين عن السلطة انطلاقاً من الهويّة الاخرويّة للدين ، فنحن نسأله عن أساس اشتغال الفرد بالقضايا الدنيويّة ، فهل يشجّع المسلمين على كسب الثروات وتحصيل التقدّم العلمي والتكنولوجي وتثوير الثروات الكامنة ووضع خطط وبرامج دنيويّة متطوّرة دائماً لحياتهم أو لا ؟ فإذا كان جوابه إيجابياً فلماذا لم تكن هذه الدعوة الإنسانيّة لتنظيم الحياة وإقامتها وتطويرها سيراً في خطّ الشرك على خلاف الدعوة الدينيّة لذلك ؟ وأمّا إذا كان جوابه بالنفي ، فهذا يعني أنّ بازرگان لا يرى فقط القطيعة بين الديني والدنيوي ، بل يرى التنافي بينهما ، ومن ثم فهو يُحسب حينئذٍ على تيار الصوفيّة الانعزالية المعادية للحياة وتقدّمها ، مع أنّه هو نفسه حذّر من مقولة ( ترك الدنيا لأجل الآخرة ) ! ولست أدري هل هذه النتيجة أخفّ وطأة أو أدلجة للحياة حينئذٍ ؟ !
والأمر عينه لاحظه النقّاد على علي عبد الرازق ، فإذا كانت الرسالة الإسلاميّة لا تتصل إطلاقاً بتنظيم الحياة والاجتماع البشري ، فهذا يعني ارتداداً نحو التصوّف « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر : فهمي جدعان ، أسس التقدّم عند مفكّري الإسلام : 348 .