تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
والبلاد دون مستوى الأنبياء ؟ ! ومن ثمّ فالتجربة النبوية والعلوية والسليمانية والداوديّة هل كانت هبوطاً نبويّاً أو ارتقاءً ؟ وكيف عظّم القرآن قائلًا عن آل إبراهيم :
( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً )
( النساء : 54 ) ؟ ! إنّ المدافعين عن سعة الفقه الإسلامي ليسوا مدافعين عن الدنيويّة الرخيصة ، بل هم يرون أنّ الفقه يرفع الظلم ، ويحقّق العدالة ، ويحدّ من الفحشاء واللاأخلاقيّة ، ويضرب على يد الجاني ، ويقوّي موقع الإنسان الأخروي الصالح في المجتمع ، ويعيد إنتاج الطبقيّة الاجتماعيّة وفقاً لمعايير مختلفة ، ويخرج من أموال الأغنياء للفقراء ، ويرفع من مستوى المجتمع المسلم أمام الآخرين وهكذا ، فهل هذه المهمّات معيبة ودنيويّة منافية للآخرة ؟ فلماذا لا نعتبر الفقه إطاراً تبعيّاً يهدف لتوفير الإطار الأصلي الروحي ؟ يقول السيد الخوئي : والقرآن بسلوكه طريق الاعتدال ، وأمره بالعدل والاستقامة ، قد جمع نظام الدنيا إلى نظام الآخرة ، وتكفّل بما يصلح الأولى ، وبما يضمن السعادة في الأخرى ، فهو الناموس الأكبر جاء به النبيّ الأعظم ليفوز به البشر بكلتا السعادتين ، وليس تشريعه دنيويّاً محضاً لا نظر فيه إلى الآخرة ، كما تجده في التوراة الرائجة ، فإنّها مع كبر حجمها لا تجد فيها مورداً تعرّضت فيه لوجود القيامة ، ولم تخبر عن عالم آخر للجزاء على الأعمال الحسنة والقبيحة . نعم صرّحت التوراة بأنّ أثر الطاعة هو الغنى في الدنيا ، والتسلّط على الناس باستعبادهم ، وأنّ أثر المعصية والسقوط عن عين الربّ هو الموت وسلب الأموال والسلطة . كما أنّ تشريع القرآن ليس أخرويّاً محضاً لا تعرض له بتنظيم أمور الدنيا كما في شريعة الإنجيل . فشريعة القرآن شريعة كاملة تنظر إلى صلاح الدنيا مرّةً وإلى صلاح الآخرة مرّةً أخرى « 1 » . ما نريد أن نصل إليه هو أنّ السلطة ليست أمراً قبيحاً في ذاته ، بل قبح السلطة وإدارة دنيا الناس إنّما يكون بنوع ممارستها من جهة ، مثل عدم عدالتها بين الناس ، وبنوع القصد الذي ينبعث الناس به نحو ممارسة السلطة الدنيويّة والغاية التي ينشدها المهتمّ بقضايا السلطة ، وإلا فلو كانت السلطة والاهتمام بدنيا الناس أمراً قبيحاً في ذاته يفترض أن يتنزّه الدين عنه ؛ لأنّه
هامش
( 1 ) الخوئي ، البيان في تفسير القرآن : 62 .