تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
أخلاقية تقضي بإمكان تحويل الدنيوي إلى أخروي - في الأفعال الأخلاقيّة بذاتها ، أي غير القبيحة - عبر تعديل القصود والنوايا والأغراض ، فأيّ أمر دنيوي غير قبيح في ذاته يمكن بالقصد القربى ومراعاة الحضور الإلهيّ تحويله إلى أمر أخروي ، فلماذا لا يكون الاهتمام بدنيا الناس عملًا دينياً مقرّباً إلى الله تعالى عبر تصحيح النيّة ، كالاهتمام برفع الطبقيّة المجحفة عبر الاشتغال على وضع القوانين وتكوين المؤسّسات التنظيميّة التي توفّر شيئاً من ذلك ؟ ! والعكس صحيح ؛ فإنّ أكثر العبادات عباديّةً يمكن أن يصيّره الإنسان الفاسد والمجتمع الفاسد أمراً دنيويّاً مصلحيّاً ، كما قال بازرگان نفسه ! إنّ الاهتمام بدنيا الناس - بمعنى حياتهم الكريمة الهانئة - ليس شأناً يتعالى عنه النبيّ أو البعثة النبويّة ؛ فإنّ دنيا الناس التي اهتمّ بها الأنبياء هي أن يعيشوا حياةً عادلة ، وهذا العيش ليس كلمة تطلق في الهواء ، بل لها مستلزمات قانونيّة تفرض تنظيم نفسها على أرض الواقع عبر سلسلة من القوانين الجزائية والجنائيّة والمدنيّة والتجاريّة وغير ذلك ، فهذه المنظومة الفقهيّة القانونيّة ترتقي بحياة الناس وتحول دون تورّطهم في ظلم بعضهم بعضاً ، أفهل هذا شأن دون شأن الأنبياء ؟ وهل من المعيب على الأنبياء أن يديروا حياة الناس بما يحقّق لهم الأمن والاستقرار والعدالة الاجتماعية ويؤمّن لهم حقوقهم وحريّاتهم ؟ بل هل أنّ الذي يمارس نشاطه البشري اليوم لكي يضع القوانين البشريّة يمارس فعلًا غير أخلاقي أو أنّه يمارس فعلًا أخلاقيّاً ؟ فإذا كان يمارس فعلًا غير أخلاقي فكيف كان بازرگان يدافع عن حقّ الإنسان في إدارة حياته ؟ فهل هو يدافع عن حقّ غير أخلاقي ؟ وإذا كان يمارس فعلًا أخلاقيّاً - وهو كذلك - فلماذا لم يكن مناسباً للأنبياء ، بما هم رسلٌ وأنبياء ، أن يمارسوا هذه الأخلاقيّة ؟ ولماذا لم يكن ذلك مناسباً لأهداف البعثة ؟ وهل هناك أخلاق دانية لا تليق بالأنبياء وأخلاق عالية تليق بهم ؟ بل يمكن أن نقول بأنّ هناك فرقاً بين أن يكون هدف الأنبياء هو الدنيا وأن يكون هدفهم الدنيا والآخرة معاً ، وهذا ما ميّزهم عن سائر البشر والقادة . إنّ هذا التوصيف من بازرگان - وقَبله علي عبد الرازق - يبدو غير منطقي وهو يبحث في دراسته هذه عن قيمة الحريّة الإنسانيّة ويعلن رفضه الواضح للاستبداد والقمع ، فهل تدخّل الأنبياء في الحفاظ على الحريّة الإنسانيّة المسؤولة هو تقليل من شأنهم ، وهل خدمة العباد
شمول الشريعة — صفحة 496 | حيدر حب الله