المال والتعلّق بحبّ الله فقط هو عمل أخروي .
فنوع الفعل وغايته شريكان في توصيف الفعل بالاخرويّة والدنيويّة ، وهذا معناه أنّ نقطة الخلاف بين بازرگان والمخالفين له ليست في اخرويّة الدين بالضرورة ، بل في تعيين هذه الأخرويّة في الدنيا ، بمعنى وضع اليد على السلوكيات والاهتمامات والأفعال التي يمكن خلع صفة الاخرويّة أو الدنيويّة عليها ضمن معيار واضح ، فبازرگان يقول بأنّ أمر الله الناس بالصلاة هو لآخرتهم ، كي يقتربوا من الله سبحانه ، وأمره لهم بالزكاة هو لخلع عبوديّتهم للمال ، وهذا يعني أنّ بازرگان قدّم تفسيراً روحيّاً لظاهرة ماديّة ( الصلاة - الزكاة . . ) يخلع عليها صفةً اخرويّة .
وانطلاقاً من معياريّة الفعل والغاية ، يكفي لتوصيف السلوك الفردي أو الجماعي بكونه اخرويّاً أن يكون السلوك في نفسه حسناً وصالحاً وأخلاقيّاً وأن يكون القصد من ورائه هو الله والآخرة ، حتى تلتقي نوعيّة الفعل وغايته في تصحيح التوصيف المذكور ، وهذا ما يمكن استنتاجه من كلام بازرگان أيضاً ، ومن الأمثلة التي قدّمها لنا وهو يقوم بتحليل الإلزامات الشرعيّة الواردة في الدين ، ومن غير المنطقي أن يقصد التمييز بين الدنيوي والأخروي من خلال التمييز بين التعبّدي والتوصّلي بعد أن أقرّ بنفسه بالتشريعات التي وضعتها الشريعة في مجال الأحوال الشخصيّة ونحوها من الأمور غير التعبديّة ( العباديّة ) بذاتها .
إذا توصّلنا لهذا المعيار الثنائي المتعاضد ؛ لم يعد يمكن لبازرگان فصل السلوك السياسي عن الديني ، أو فصل الدين عن السلطة ، بحجّة دنيويّة السلطة ، فهذه الطريقة لا تحلّ المشكلة ؛ لأنّ الطرف الآخر بإمكانه أيضاً أن يقول بأنّ إدارة حياة الناس في الدنيا وتنظيمها هو خدمة للآخرين ورفع الظلم والتمييز عنهم ، وإذا كان بازرگان يمكنه أن يدافع عن نفسه بأنّ السعي لامتلاك حياةٍ اقتصاديّة هانئة هو أمرٌ دنيوي ؛ لأنّ القصد والغاية فيه هو الدنيا ، فإنّ هذا لا علاقة له بالسلوك نفسه ، وإنّما بخاصية القصد والنيّة ، فالنيّة لديها القدرة على تحويل كلّ شيء ، ومن ثم فمن يعيّن اخرويّة السلوك ليس هو السلوك نفسه فقط بل النيّة القابعة خلفه أيضاً ، وبإمكان الدين أن يقوم بتوجيه سلوكيّاتنا الدنيوية بحيث يقوم بتحويلها إلى سلوكيّات اخرويّة عبر تصويب القصود وتصحيح النوايا ونحو ذلك .
لقد تجاهل بازرگان - في حديثه عن الانقلاب من التوحيد إلى الشرك - حقيقةً صوفيّة
شمول الشريعة — صفحة 495
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٩٥