هذا لا يكفي للقبول بادّعائه ، بل لابدّ لنا أن نملك دليلًا على صحّة هذا الادّعاء ، فلا يكفي أن تقول الماركسيّة لي بأنّها برنامج شامل للحياة ، بل لابدّ أن أثبت ذلك بالدليل والشواهد ، وهذا ما يُنتج أنّ فهم حدود الدين أمرٌ يرجع إلى ثنائيّة متقابلة : فهم جوهر الدين ، وفهم حاجات الإنسان ، وكلا هذين الأمرين لا يُخبرنا عنهما النصُّ نفسه « 1 » .
بل دعوني أقول شيئاً ، وهو أنّ القارئ للدكتور سروش في مجمل دراساته ، يرى بوضوح رغبةً أكيدة وقناعة راسخة بكون الاجتهاد الداخل الديني يكاد يكون في كلّ القضايا لا معنى له عنده ولا قيمة ، ففكرة أنّ هذه القضية أو تلك لا تؤخذ من الداخل ، بل من الخارج ، تمثل - بنظري المتواضع بوصفي قارئاً لسروش - واحدة من أعمدة فهمه للدين ، وربما يمكن رؤيتها في عشرات المواضع من كتاباته .
أودّ هنا أن أتوقّف قليلًا عند محاولتَي بازرگان وسروش معاً ، وأتأمّل بعيداً عن كلامهما أيضاً ؛ لاتخاذ موقف في القضيّة :
أوّلًا : إنّ ما قاله سروش في نقده الأوّل صحيح تماماً ، وألمحنا إليه مراراً ، بمعنى أنّ أيّ شخص لو أعطيته نصّاً ، ثم أقنعته بأنّ هذا النصّ يتكلّم عن كلّ شيء في العالم ، فمن الطبيعي أن يستنطقه ليرى فيه كلَّ شيء ، فيرى سكوته عن فكرةٍ تأييداً لها ، ويحصل الإمضاء السكوتي ، ويرى كلامه عن ضرورة الغذاء الصحيح برنامجاً يغطّي كلّ الحياة الصحيّة للإنسان وهكذا ، أمّا لو حمل هذا الشخص قناعةً بأنّ هذا النصّ يتصدّى للحديث عن الحياة الاسريّة فقط ، فلن يفهم منه قضايا علم الفلك .
هذه الفكرة منطقيّة جداً ، بل رأيناها في التجربة الزمنيّة لمفسّري النصوص الدينية عبر التاريخ وعبر الأديان ، لكن يوجد هنا نوعان من النصوص الدينيّة :
أ - نصوص الدرجة الأولى ، وهي النصوص التي تحكي عن شيء خارج النصّ - بوصفه كليّة منتظمة - وهويّته ومعالمه ، وهذا النوع من النصوص هو الأغلبيّة الساحقة من النصوص الدينيّة ، فهي تتكلّم عن الصلاة والصوم والله والآخرة والأخلاق وغير ذلك .
ب - نصوص الدرجة الثانية ، وهي النصوص التي تحكي عن منظومة النص ( النصوص )
هامش
( 1 ) انظر : سروش ، مدارا ومديريّت : 135 - 138 .