التوحيد يختفي لصالح السلطة نفسها ، بوصفها العنصر الذي يحمل أولويّة كلّ شيء ، وكأنّه هو الذي له الأصالة والتقدّم ، ولهذا نجد التضحية بالأمور الدينيّة لصالح السلطة نفسها التي يفترض أنّها جاءت لحفظ الدين وتأمين البيئة الحاضنة .
بهذا نفهم أنّ نظريّة بازرگان لا تنبع فقط من عدم رؤيته مشروعاً دنيويّاً في الإسلام فحسب ، بل من اعتقاده أيضاً بأنّ تحويل الإسلام من الأخرويّة إلى الدنيوية يُلحق الضرر بأهداف البعثة النبويّة ، كما أنّ وضع الإسلام في سياق مشروع دولة متكاملة يضرّ بالغايات نفسها ، فبازرگان يرى أنّ رفع سقف الاهتمام الديني بالقضايا الدنيوّية سيحوّل المقاصد إلى الدنيا وسيرتفع مستوى اهتمام الفرد بالدنيا مما سيُفقد الدين عنصر الإخلاص العبادي لله ، وسينقلنا - من حيث لا نشعر - إلى الشرك بدل التوحيد ، وسيخسر الدينُ بذلك عمقَه وأصالته ورسالته الأساسيّة .
ب - إنّ وضع أيديولوجيا دينيّة وإقامة دولة دينيّة أيضاً سوف يفضي إلى إخفاق ؛ لأنّنا نستمدّ وضعنا الإداري من الدين مع أنّه لا يملك برنامجاً ، الأمر الذي سيوصل إلى الفشل ، ثم إلى ظهور حالة إحباط عامّة في المجتمع ورفض للدين وخيبة أمل منه واتخاذ مواقف سلبيّة من الدين نفسه ، بل سيؤدي ذلك أيضاً إلى التكاسل عن وضع حلولٍ ما دامت تُرتجى من النصوص نفسها .
ج - إنّ القضيّة عند بازرگان لا تقف عند حدّ الإحباط ، بل إنّه يرى أنّ هذه الذهنية لو تمّت إدارة الدولة بها ستفضي إلى القمع والاستبداد ومواجهة الناس للمآسي والمحن ، مستشهداً بحكم الكنيسة وحكم العباسيّين والصفويّين والقاجاريّين ، وستحلّ ثقافة الإكراه والقهر الديني ، الأمر الذي يخالف القرآن نفسه .
7 - بازركان وتخطئة مقولتَي : الدين للدنيا ، وترك الدنيا للدين
وهكذا يخلص بازرگان إلى أنّ الإفراط والتفريط يتمثلان بمقولتَي : ( الدين لأجل الدنيا ) « 1 » ، و ( ترك الدنيا لأجل الدين ) ، وإنّ التخلّي عن هذين الأمرين هما السبيل الوحيد
هامش
( 1 ) وبحسب تعبير عبد الكريم سروش : إذا كنّا نريد الدين للدنيا ، فالدنيا نريدها لماذا ؟ ! انظر له : مدارا