معنى الحثّ على التصدّق والعفو هنا إذا كان الغرض من القصاص هو الضرب على يد الجاني فقط ؟ ! وفي هذا السياق نفهم كيف بيّن الرسول الغاية من بعثته بتتميم مكارم الأخلاق .
وفقاً لذلك ، لن يصبح الدين ناقصاً عندما لا تكون فيه كلّ تلك التنظيمات المرتبطة بإدارة البلاد والعباد ؛ لأنّه حدّد غايته بإطار ثنائيّة الله والآخرة ، واستخدم بعض التشريعات ليخدم هذا الإطار .
وينتبه بازرگان للآية التي تمثل مرجعاً مهماً لمن يختلف هو معهم ، وهي قوله تعالى :
( لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ )
( الحديد : 25 ) ، فيرفض فهمها بالفهم السياسي السلطاني ، ويرى أنّ المراد بها هو أنّ الناس إذا عملوا بتعاليم الأنبياء وتربّوا بتربيتهم ، فإنّ العدل والقسط سيقوم فيما بينهم ، لا أنّ الأنبياء بُعثوا بنظام دنيوي ومناصب حكوميّة وسلطانيّة لتحقيق العدل وفرضه ، فالعدل هو نتيجة للتربية الروحية النبويّة .
وفق هذه المعادلة يضعنا بازرگان أمام فكرة الغاية من جهة ، ومقولة التأثير الفرعي للتوجيهات الإلهيّة من جهة ثانية ، فالغاية والمطلوب بالذات من التشريعات هو الله والآخرة ( البعد المعنوي السماوي ) ، بينما التأثيرات الفرعيّة التلقائيّة لها تظهر في الدنيا ، والخطأ الذي حصل هو أنّنا ركّزنا النظر على التأثيرات الدنيويّة لها ، بحيث بدت هي الغاية ، فيما اختفت الغاية الحقيقيّة خلف الستار ، وبهذا بدا الدين دنيويّاً ، وتمّ تحميله مسؤوليّات ليس هو معنيّاً بها .
وبهذه المقاربة يحلّ بازرگان إشكاليّة يبدو أنّه توقّع أنّه سوف يواجهها ، وهي أنّ إلغاء دنيويّة الدين سوف يؤدّي إلى هجر الدنيا ، فهل يقبل الإسلام بهجر الدنيا وممارسة الرهبانيّة ؟ وكيف يفسّر بازرگان رفض الإسلام لذلك ولا يكون في الوقت عينه دنيويّاً ؟
إنّ بازرگان يؤكّد على التأثير الدنيوي للسلوك ، لكنّه يريد سلب صفة الغاية عنه ، إنّه يوجّهنا في تفسيره ، لا أنّه يرفض وجود التأثير الدنيوي للدين ، فالدين يعلّمنا كيف نعيش الدنيا ، لا بمعنى أنّه يعلّمنا كيف نأكل ونشرب ، بل بمعنى أنّه يربّينا كيف نعيش أحراراً ونرفع عن أنفسنا كاهل العبوديّة ونعيش بأخلاقيّة عالية ، هذه هي دنيويّة الدين ، لا أنّها تنظيمٌ للحياة الدنيويّة بحيث يصبح الدين مسؤولًا عن سياسة واقتصاد وأمن الناس .