تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
لا يغيب عن بال بازرگان وجود الكمّ الهائل من النصوص النبويّة وغيرها والتي تتحدث في القضايا المادية البحتة ، مثل النصوص الطبيّة الكثيرة ، لهذا لا يقوم بإعادة تفسيرها من حيث المضمون عبر الربط بقضيّة الآخرة ، إذ ربما تبدو دنيويّتها واضحة لديه ، بل هو هذه المرّة يقوم بإعادة فهم منطلقاتها وحيثيّات صدورها ، وذلك عندما يُخرجها عن حيّز الرسالة الدينيّة إلى حيّز التجربة النبويّة التاريخيّة ، فهو يرى أنّ النبيّ يصدر الكثير من النصوص ويمارس الكثير من التجارب منطلقاً من بُعده الإنساني الذي يستهدف خدمة الناس ، لا من بعده الرسولي ، ومن ثمّ فمثل هذه النصوص لم تصدر من النبيّ بوصفها جزءاً من الرسالة ، بل صدرت منه بوصفه خادماً للأمّة والناس ، يقدّم علمه ومعرفته وخبرته لهم بما ينفعهم ، وبهذا خلع بازرگان الصفة الرسوليّة عن مجموعة النصوص التي يبدو أنّها محض دنيويّة ، ليعيد إنتاجها بفهمٍ تاريخي بشري ، لا بفهمٍ وحياني رسولي .

6 - بازركان والفصل بين الدين والسلطة السياسية

وعبر هذه السلسلة من المداخلات ، يؤسّس بازرگان لفصل الدين عن الدنيا والسلطة ، لكنّ هذا الفصل عنده ليس إثنينيّ الطرف ، بمعنى أنّ السلوك الديني يترك تأثيره الإيجابي على الحياة الدنيويّة ، بينما السلوك الدنيوي لا يفعل ذلك في الحياة الروحيّة ، فالسلوك الديني مبارك ، بينما السلوك الدنيوي قد ينجح في الدنيا لكنّه لا يحقّق الغاية الأخرويّة إلا بحمل الرسالة النبويّة الروحيّة ( الله - الآخرة ) ، ولهذا يؤكّد القرآن في غير موضع على أنّ من يريد الدنيا نعطه إيّاها لكنّه سيخسر الآخرة ( الشورى : 20 ) ، وهذا يعني أنّ التوجّه نحو الدنيويّة لا يساوي التوجّه نحو الآخرة ، بينما التوجّه نحو الآخرة يترك ثماراً طيّبة على الحياة الدنيا . من هنا يوجّه بازرگان نقده لدعاة الدمج بين الدين والسلطة السياسيّة ، ويرى أنّهم واهمون في افتراضهم أنّ الدين سوف يزول إذا لم تكن السلطة قائمةً ، بل إنّ الدين منصهرٌ في السلطة ! إنّه يرى خطأ هذا التفكير الذي يمثل الخميني رمزاً من رموزه ، ويعتبر أنّ تجربة الأنبياء الذين حكموا إنّما هي تجربة استثنائية في تاريخ عددٍ هائل من الأنبياء ، ولا تمثل القاعدة ، كما أنّ حكومتهم لم تنطلق من بُعد ديني وحيّي بقدر ما انطلقت من بُعد زمني ؛ ولهذا كانت شؤون السلطة عندهم مبنيّة على قاعدة المشاورة في الأمر ، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم ( آل