تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
الفقهيّة في الإسلام ، خاصّة مثل الحدود والتعزيرات والقوانين الاجتماعيّة ، وهو لا يريد أن يخرج منها ، لكنّه يوجّه لنفسه السؤال الآتي : ما هي الغاية من وراء هذه المنظومة الفقهيّة التي تتدخّل في الكثير من قضايا الإنسان ؟ إنّ بازرگان هنا يريد أن يقرأ هذا النظام الفقهي بشكل مختلف ، ففيما قرأ السيّد الخميني - مثلًا - فريضةً مثل الخمس على أنّها مؤشر للتوجّه السلطوي الإسلامي ، يحاول بازرگان أن يستنطق القضيّة بشكل مختلف ، ففيما كنّا نجده في أعماله العلميّة السابقة يركّز على بعض الأبعاد الماديّة للأشياء والتشريعات بدرجةٍ ما ، ها نحن اليوم نلاحظه يشرع في مقاربة التشريعات برؤية مختلفة بعض الشيء ، تحاول أن تنسجم أكثر مع ثنائيّة الله والآخرة ، فالنهي عن شرب الخمر عنده ليس لأجل تأثيره المضرّ على البدن ، بل لأجل السلامة الروحيّة حال الصلاة كي لا نقربها ونحن سكارى ( النساء : 43 ) ، ولأجل السلامة الأخلاقيّة الاجتماعيّة والدينيّة كي لا نترك ذكر الله ولا نقع في مشاحنات وبغضاء فيما بيننا ( المائدة : 90 - 91 ) ، وهكذا مجموعة التشريعات المرتبطة بالإنفاق ( الخمس - الزكاة - الصدقة - النفقة . . ) يفهمها بازرگان بأنّها على صلة بالتربية الروحيّة لخلع الإنسان عن الارتباط بالمال والدنيا ، والقرآن لم يقل بأنّ فعلكم هذا سوف يؤدّي إلى حصول رفاهٍ اقتصادي في ما بينكم ولهذا أنا أشرّعه ، أو أنّني أريد بذلك أن أنظّم حياتكم الاقتصادية الدنيويّة ، ولهذا هو يركّز على خلوص النيّة لله في الإنفاق ويربطه بسبيل الله وعدم التوجّه به للرياء أو السمعة ، وهذا هو الفرق بين النظام الضريبي الإسلامي والنظام الضريبي في الدول الحديثة ، فإنّ الغاية منه في الإسلام تحرير الإنسان من عبوديّة المال ، دون أن نعني بذلك أنّ القرآن لا يقرّ بالنتائج الدنيويّة لهذه التشريعات ، بل المهم هو الغاية والمقصد منها ، ففي الدول الحديثة يراد تأمين الاقتصاد فيؤخذ المال ولو قهراً من المواطنين ، بينما في الإسلام تبدو العمليّة تربويّة اختياريّة تستهدف إعلاء الروح ودفعها نحو التسامي . وهكذا يواصل بازرگان مسيرته في تحليل الأحكام الاجتماعيّة والأحوال الشخصيّة ، حيث يرى الهدف منها رفع الظلم وتحقيق العدل في العلاقات وعدم خضوع البشر للشيطان ونوازع النفس في رغباتها تجاه الآخرين ، ومن هنا نحن نرى أنّ تشريعات القصاص وأمثاله لم تأتِ لبناء دولة وقوانين إلزاميّة ، ويشهد لذلك أنّنا نجد القرآن - بعد الحديث عن حقّ الاقتصاص - يتكلّم بوضوح عن أنّ الذي يتصدّق ويعفو فسيكون ذلك كفّارة له وخير ( المائدة : 45 ) ، فما
شمول الشريعة — صفحة 482 | حيدر حب الله