تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
ملؤه ، فما قيمة النبوّات أن تأتي لإبلاغ البشر بما يمكن للبشر بعقولهم أن يفعلوه ويحقّقوه . إنّ رسالة الأنبياء هي الخطاب الذي يعطي الإنسان ما لا يقدر هو على الوصول إليه ، وهذا ما يذكّرنا في كلام بازرگان بما يطرحه أمثال مرتضى مطهري في تحليل وجه الحاجة للنبوّات ، حيث يعتبر أنّ قيمة الأنبياء في أنّه يمكنهم أن يخبرونا عن الآخرة وطريق الخلاص بما لا نقدر نحن على الوصول إليه ، فالإنسان كالعالق في وسط محيطٍ متلاطم ، ولا يعرف إلى أيّ جهةٍ يتحرّك ، وقيمة الرسالة النبويّة في أن تخبره عن الجهة الأفضل للوصول إلى اليابسة بدل أن يتحرّك في جهةٍ تُبعده عن اليابسة . وهذا التحليلُ المطهريُّ - البازرگانيُّ ، يرجع في روحه - بعد اختلاف موقف مطهري وبازرگان من موضوع بحثنا كما هو واضح - يرجع للفكرة التي تقول بأنّ الدين إنّما أتى ليسدّ فراغاً في الإنسان لا يقدر الإنسان على سدّه ؛ وإلا لم تكن هناك حاجة للدين أبداً ، إنّ تقديم الأنبياء بوصفهم حملة مشاريع يمكن للبشر أن يصلوا إليها بعقولهم هو - في رأي بازرگان - تقليلٌ من شأن الأنبياء بإنزالهم إلى مستوى ماركس وغاندي وجمشيد وغيرهم ، ليس هذا فحسب بل هو خلق لقطبين متعارضين ، بمعنى أنّ الدين يأتي ليجذب الإنسان إلى الله والآخرة في الوقت عينه الذي يشغل كلّ طاقته لكي ينظّم له الدنيا ومصالحه المادية ! لكن هل هذا يعني أنّ الدين يأتي لإلغاء الدنيا ؟ هذا ما يرفضه بازرگان ، بل يصرّ على أنّه قد تقع الدنيا في صراط الآخرة ، كما سنوضح ذلك قريباً .

5 - بازركان واستنطاق النصّ والتجربة الدينيّين لترجيح اخرويّة الدين

لا يقف بازرگان عند هذا الحدّ ، بل هو يتحوّل بنا ناحية التجربة الدينيّة التاريخيّة « 1 » ، حيث يحاول أن يستنطق تجربة أهل البيت النبويّ ، فيرى أنّهم لم يكونوا يريدون السلطة بذاتها ، بل كانوا يُمسكون بها عندما كان الناس ينتخبونهم لذلك ، وكان الجهاد عندهم بهدف رفع الاستبداد والظلم والقهر ، لا بهدف الإمساك بالسلطة وفرض الدين والشعائر على الناس ،
هامش
( 1 ) وكأنّه شعر بأنّه في فضاء ديني يملك النصُّ فيه السلطة المطلقة ، لا يمكنه مقاربة الأمور من زاوية فلسفيّة خارج - دينيّة ، لهذا نجده يعود إلى ثنائيّة التجربة والنصّ الدينيّين ؛ لكي يُثبت مقولاته ، رغم أنّه في بداية الأمر ذكر أنّ تحديد مساحة الدين لا يكون بمراجعة النصّ نفسه .