لتوظيف كلّ المقولات ، حتى أكثرها معنويّةً ؛ لتحقيق مصالحه الدنيويّة ، والقرآن حدّثنا عن الإنسان الذي يحبّ العاجلة ويذر الآخرة ، وعن الإنسان الذي يؤثر الدنيا ويترك ما هو الخير له والأفضل من الآخرة . هذا الميل النفساني البشري يجعل القضيّة الدينيّة عرضة للاستغلال بهدف تحويلها إلى قضيّة قابلة للتوظيف في مصالح الإنسان الدنيويّة ، هنا تصبح علاقة الإنسان بالله علاقة مصلحة دنيويّة ، فهو يريد منه أن يخلّصه من مشاكل الدنيا ، ولهذا نجد هذا الإنسان - كما يصفه الله في القرآن الكريم في قوله :
( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ )
( العنكبوت : 65 - 66 ) - يتخلّى عن الله بمجرّد تحقق مصالحه الدنيويّة هذه ، فقد كان يدعوه للخلاص من الغرق ، لكنّه يُشرك به بعد أن ينجيه « 1 » .
4 - محوريّة الله والآخرة ، المقاربة الفلسفيّة
وفق هذا التصوّر ، يحاول بازرگان أن يقتحم سرّ الرسالة النبويّة ، فلماذا تمّ إرسال الأنبياء ؟ وما هي الغاية من وراء ذلك بالضبط ؟
يحدّد بازرگان غايتين هنا هما :
أ - الثورة على محوريّة الإنسان ، لدفعه للدوران حول الله ، أي تحقيق انقلاب كوبرنيكي في هذا المجال ، فبعد أن كان الإنسان هو المدار يأتي الأنبياء ليُعلنوا أنّ الله هو المدار ، وأنّنا نقوم بالدوران حوله ، وهو مركز كلّ شيء .
ب - الإعلان عن عالم آخر وحياة أخرى أكبر وأوسع وأفضل من هذه الدنيا ، وأنّ تلك الحياة تتسم بالخلود والأبديّة .
هذان هما المحوران العمدة في رسالة الأنبياء وفقاً لتحليل بازرگان ، وهو التحليل الذي يحاول هو نفسه أن يقدّم له مقاربة فلسفيّة عبر القول بأنّ الدين يأتي لملء ما لا يستطيع الإنسان
هامش
( 1 ) لعلّ هذا ما نلاحظه اليوم في الحركة الناقدة للدين ، حيث تقوم على مصلحة الإنسان الدنيويّة ، فالله يمكن القبول به ما دام يؤمّن لنا دنيا أفضل ، أمّا عندما لا يوفّر لنا شيئاً من ذلك ، أو يمكن لغيره أن يوفّر لنا مثل هذا ، فإنّنا لسنا بحاجة إليه ، وربما يكون هذا انعكاساً للذهنيّة الدنيويّة في التعامل مع أقدس المقدّسات ( الله ) .