يبدو بازرگان هنا واضحاً في أنّ السؤال عن حدود الدين وتوقّعاتنا منه لا ينبغي التفتيش عن جوابه في الدين نفسه ( النص - التجربة ) ، أي إنّ الجواب عن هذا السؤال عنده هو جواب خارج - ديني ، تماماً كما هو السؤال بعينه ، إنّنا مطالبون بتعيين دور الدين ، ثم بعد ذلك نذهب إلى النصوص لفهمها واكتشاف ما هو الديني منها من غير الديني ، وليس العكس ، وهو بالضبط ما رأيناه بشكل واضح عند العديد من رجالات النقد والتحديث الدينيّين في العقود الأربعة الأخيرة مثل محمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش وغيرهما .
بهذه المحاولة يحرّر بازرگان نفسه من سلطة النصّ في تعيين ذاته وهويّته ، فالعقل هو من يحدّد هوية النصّ ودينيّته ، وليس النصّ نفسه ، وهذا يعني أنّنا بتنا قادرين على امتلاك السلطة المسبقة على النصّ ، وليس العكس ، وهذا مدخل في غاية الحساسية والأهميّة .
3 - لماذا يتجه الفكر الديني نحو الدنيويّة ؟ !
بعد فتحه هذه الكوّة ، يتجه بازرگان لتحليل سبب اتجاه الفكر الإسلامي الحديث نحو الأيديولوجيا والشموليّة والسلطة والإمساك بكلّ مفاصل الحياة ، إنّه يعتقد بأنّ ظهور تيار اليسار الماركسي والاشتراكي بما كان يحمل من نزعة أيديولوجيّة وشموليّة ، وتحدّيات الاستبداد الذي كانت تواجهه بلدان المسلمين - خاصّة إيران - دفعا المفكّر المسلم نحو البحث عن حلول لوضعه ومنافسة خصومه وسط هذا الفضاء الثقافي والسياسي ، من هنا كان طرحُ أيّ مشروع ديني يحمل تصوّراً أيديولوجيا عن العالم والإنسان ، ويوصل إلى السلطة محيِّداً الاستبداد القائم في النظام الشاهنشاهي هو تصوّر مقبول ومرحّب به ، إن من جانب عموم الناس المؤمنين بالله بطبعهم وإن من جانب المؤسّسة الدينيّة « 1 » ، وهذا برأيه ما دفع إلى الترحيب الواسع بكتابه الذي خصّصه للبعثة والأيديولوجيا قبل عقود ، وقد بلغ هذا التوجّه أوجه بانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران ، حيث تعزّزت القناعة التامّة بالعلاقة الوثيقة غير القابلة للنقض بين الدين والدنيا .
لكنّ بازرگان يحاول هنا العودة بهذه القضيّة إلى الوراء ، وتحليل جذور مقولة ( الدين لأجل دنيا أفضل ) ، إنّه يذهب بنا بعيداً في تحليلٍ نفسي للإنسان ، فيعتبر أنّ الإنسان بطبعه يميل
هامش
( 1 ) ثمّة في كلام الدكتور سروش أيضاً ما يشير لهذا الاستنتاج الاجتماعي - السياسي لظهور نزعة الأيديولوجيا السياسية في الإسلام في القرن العشرين ، فانظر له : مدارا ومديريت : 174 .