هذه هي عصارة أفكار علي عبد الرازق الذي ذهب إلى نوع من تقليص كبير لحضور الإسلام في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة ، نحو كونه رسالة روحيّة أو - إذا تركنا هذا التعبير ( رسالة روحيّة ) الذي حاول هو في بعض تعليقاته التي أعقبت صدور حكم علماء الأزهر أن يرفض انتسابه إليه رغم وجود هذا التعبير في كتابه - رسالة دنيويّة بالحدّ الأدنى لها .
من خلال هذا كلّه يصنَّف عبد الرازق رمزاً من رموز انطلاق العلمانيّة المؤمنة في العالم العربيّ ، فوفقاً للتقسيم الثلاثي الذي قدّمه المفكّر الأردني فهمي جدعان لمستويات التغريب ، يغدو علي عبد الرازق في المستوى الثالث ، حيث يرى جدعان أنّ مستويات التغريب ثلاثة :
المستوى الأوّل : التمثل بالغرب تماماً في كلّ شيء ، والقطيعة التامّة مع العروبة والإسلام ، ومن نماذج هذا المستوى كلّ من أحمد لطفي السيد ، وسلامة موسى ، ومحمد عزمي .
المستوى الثاني : الليبرالية ومرجعيّة العقل المحض فقط لا غير في كلّ شيء ، ومن أبرز نماذج هذا المستوى كلّ من إسماعيل مظهر ، وطه حسين .
المستوى الثالث : العلمانيّة وفصل الدين عن الدولة ، وهذا المستوى ارتبط عند جدعان بعلي عبد الرازق الذي سبقه الأتراك إليه « 1 » .
الأنموذج الثاني : المهندس مهدي بازركان ، وتحويل الدين من الدنيا إلى الآخرة
يمكن الحديث عن نظريّة بازرگان بعد أن استعرضنا أطروحة علي عبد الرازق ، من خلال سلسلة من النقاط المتتالية التي توضح لنا فكرته وتضعنا في إطار مفاهيمه حول موضوع بحثنا هنا .
1 - السياق الفكري والزمني لنظريّة بازركان
ومقدّمةً لا بأس بالتعريف بعض الشيء ببازرگان كي يتمّ فهم سياقه الفكري الزمني ، فمهدي بازَرْگان ( 1995 م ) شخصيّة سياسيّة فكريّة بارزة في تاريخ إيران الحديث ، من أصول آذربيجانيّة في الشمال الغربي من إيران ، كان من الفاعلين في زمان حركة محمّد مصدّق ( 1967 م ) ضدّ الشاه في خمسينيّات القرن العشرين ، ثمّ وقف مع السيّد الخميني في ثورته ،
هامش
( 1 ) انظر : فهمي جدعان ، أسس التقدّم عند مفكّري الإسلام في العالم العربي الحديث : 329 - 330 .