الذي تهيّب أمامه منه بأنّه ليس بملك ولا جبّار ، بل شخصٌ عادي ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكّة ، بل ورد في بعض الروايات أنّه خُيّر بين أن يكون مَلِكَاً أو عبداً رسولًا فاختار العبوديّة .
هذا الدين - عند عبد الرازق - موعود بالنصر ، أي إنّه سوف يكون العالم وحدة دينيّة واحدة ، وهذا لا يعني أنّهم وحدة سياسيّة واحدة ، إذ هذا يوشك أن يكون خارجاً عن الطبيعة البشريّة ، فالدنيا تركها الله لنا لنديرها وندير أمورنا فيها ، ولهذا قال لنا النبيّ في حديث تأبير النخل بأنّكم أعلم بأمور دنياكم ، بل الدنيا أهون عند الله أن يبعث لها رسولًا بعد أن خلق لنا عقولًا نديرها بها .
وبهذا يتوصّل عبد الرازق إلى اجتماع دليل القرآن والسنّة والعقل معاً لإثبات ما يريد . وبهذا كلّه يفهم معنى الجهاد النبوي الذي هو تكريس لوجود الأمّة وقوّتها وكينونتها ، وبهذا يفهم كيف أنّ الإسلام لما دخل إلى سائر قبائل العرب وغيرهم لم يغيّر من أنظمة إدارتهم للحياة شيئاً .
العقبة المهمّة التي يواجهها عبد الرازق هنا هي منظومة التشريعات الفقهيّة والقانونيّة التي جاء بها الإسلام ، إذ تكشف عن نظامٍ تجاري ومدني وجزائي وجنائي وهذا كلّه يعود بنا إلى تكوين دولة بوحدة سياسيّة واحدة ، لكنّ عبد الرازق يرفض ذلك ، ويرى - في مقاربة مهمّة ولو مختصرة - أنّ كلّ هذا النتاج الفقهي لا يمثل سوى جزء بسيط من لوازم إدارة دولة ، وهو بهذا يقرّ بعدم شموليّة الشريعة لكلّ حاجيات الدولة وقواعد نشاطها ، وكلّ تشريعات الدين هي لإدارة دين الناس لا دنياهم .
لهذا رحل النبي ولم ينصب أحداً بعده ولا إشار إلى دولة على الناس أن ترعاها بعده ، ولو كان مهتماً لدولةٍ لما ترك أمرها هكذا ، فبُناة الدول تكون هذه هي أولويّاتهم ، وما ذكرته الشيعة من تنصيب عليّ هو - عند عبد الرازق - مما حظّه من النظر العلمي قليلٌ لا يُلتفت إليه ، وما نقل عن بعض السنّة من أنّ النبيّ نصّب أبا بكر هو - عنده - تعسّفٌ لا وجه له .
عبر هذا كلّه ، يستنتج عبد الرازق أنّه بموت النبي انتهى عصر الرسالة وانتهت زعامته ، وليس لأحد أن يأخذ زعامته عنه بعد وفاته ، بل هي زعامة جديدة تخضع لقواعد جديدة ، ولهذا يعتبر عبد الرازق أنّ خلافة أبي بكر هي بداية عصر الملك في الإسلام ؛ لأنّها نشأت من
شمول الشريعة — صفحة 470
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٧٠