الأبّهة في أنظمة الملك تعنيه أو يحتاجها ، بل كان يدير الأمور ببساطة شديدة .
عبد الرازق هنا يقبل بمبدأ البساطة والعفويّة النبويّة ، ويرى هذا التحليل أقرب الأجوبة إلى الصواب ، لكنّه مع إقراره بكون الكثير من فروع الحكم اليوم تكلّفاً ، لا يقدر على أن يستوعب غياب بعض أساسيّات وأوليّات الدولة مما كانت تفتقده التجربة النبويّة ، فلا توجد دواوين ولا ميزانيات ولا حسابات للمصاريف والواردات ، فهل إلى هذا الحدّ يكون غياب هذا فطريّاً وعفوياً وبسيطاً ؟ !
ه - نبوّةٌ لا حكم ودعوة لا دولة وأمّةٌ لا خلافة ، تفسير واستدلال
بهذه الجولة النقديّة يصل عبد الرازق إلى فكرته المركزيّة ، وهي أنّ النبي كان رسولًا وداعية لا ملكاً وسلطاناً ، لكنّه يحذر جداً من الخطأ في فهم هذه الفكرة ، فلا تعني أنّه ليس له نفوذ وزعامة اجتماعيّة في قومه وأمّته ، تماماً كزعامة موسى وغيره ، بل زعامة النبيّ أعمق بكثير من زعامة الملوك ؛ لأنّها تلج الروح وتُحكم قبضتها ليُطاع في سلوك الناس وأعمالهم ، لكنّ هذا غير إطاعة الملوك ، بل هي شاملة مستوعبة لكلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم ، فهو الموجّه والقدوة والروح والتربية والمثال ، وبهذا تمتاز الولاية الروحيّة النابعة من الإيمان عن الولاية السلطانيّة النابعة من القدرة الماديّة ، فالأولى تدير دين الناس وروحهم وأخلاقهم ، بينما الثانية تدير دنياهم وأبدانهم .
من الواضح أنّ عبد الرازق قلقٌ جداً من معضلة المصطلحات والتعابير وسوء الفهم ، لهذا يؤكّد دوماً على أنّ ما ينفيه هو مفهوم الدولة والسياسة والملكيّة بالمعنى الذي يطرحه علماء السياسة ، وهذا مغاير لمفهوم أنّ النبيّ هو رأس الجماعة المسلمة التي تمثل وحدة اجتماعيّة ، وهذه الوحدة - التي يسمّيها الشيخ محمّد مهدي شمس الدين بالأمّة - ناضل النبيّ عنها ودافع وجاهد ، وكان زعيمها المطاع .
يؤكّد القرآن على أنّ زعامة النبيّ ليست سلطوية بالمعنى السياسي ، استناداً إلى النصوص العديدة التي تؤكّد أنّه ليس بوكيل ولا بحفيظ ولا برقيب ولا بجبّار ولا بمسيطر ولا غير ذلك من علائم الملوكيّة والسلطة السياسيّة ، بل هو مبشّر ومنذر .
وليس القرآن فقط يشهد لهذا ، بل السنّة الشريفة أقطع وأصرح في ذلك ، فالنبيّ يعلن لذلك