تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
قواعد مدنيّة وليست دينيّة ، فهي دولة عربيّة وليست إسلاميّة دينيّة ؛ لأنّ الإسلام لجميع الأمم والشعوب ، وما حصل لاحقاً من خلع صفات القداسة والدينيّة على تجربة أبي بكر وغيره ، إنما هو شيء حصل فيما بعد ، وبهذا نشأ لقب خليفة رسول الله ، وهو لقب في ذاته ليست له أيّ دلالة سوى أنّه لحق به في الزمان ، لكنّه اتخذ معنى دينيّاً خاصاً بمرور الزمن حتى صار خليفة خليفة الله خليفةً لله ، رغم أنّه قد ورد عن أبي بكر نفسه استنكار توصيفه بأنّه خليفة الله ، وهذه الصبغة الدينيّة التي ألحقوها بعد النبيّ بأبي بكر هي السبب فيما يبدو في وصفهم معارضي أبي بكر بالمرتديّن ، وما كان جميعهم هكذا ، بل كانوا معارضين للانضمام للوحدة السياسيّة التي كان يريد أبو بكر أن يتزعّمها ؛ ولهذا تمنّعوا عن دفع الزكاة له . وقصّةُ خالد بن الوليد ومالك بن نويرة شاهد على أنّ النزاع لم يكن دينياً ، بل كان سياسيّاً . إنّ هذه الصفة التي خُلعت على أبي بكر ومن بعده راقت للسلاطين من بعد ، كي يُحكموا سلطانهم ويضربوا الناس بالحديد والنار بلا معارضة ، فتكرّس مفهوم الخلافة يوماً بعد يوم ، وهو مفهومٌ لا أصل له « 1 » . بهذا ينهي عبد الرازق أطروحته ، ليختمها بالنصّ الآتي : الحقّ أنّ الدين الإسلاميّ بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون ، وبرئ من كلّ ما هيّأوا حولها من رغبة ورهبة ومن عزّ وقوة ، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينيّة ، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة ، وإنّما كلّها خطط سياسيّة صرفة لا شأن للدين بها ، فهو لم يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها ولا نهى عنها ، وإنّما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة . كما أنّ تدبير الجيوش الإسلاميّة وعمارة المدن والثغور ونظام الدواوين لا شأن للدين بها ، وإنّما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب أو إلى قواعد الحروب أو هندسة المباني وآراء العارفين . لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يُسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلّها ، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه ، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشريّة ، وأمتن ما دلّت تجارب الأمم على أنّه خير أصول الحكم « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر حول هذا العرض : علي عبد الرازق ، الإسلام وأصول الحكم : 1 - 104 . ( 2 ) الإسلام وأصول الحكم : 104 - 105 .