تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
لقيصر لقيصر ، وهذا يوسف كان عاملًا عند فرعون مصر ، فهل كان محمّد مثل القليل من الأنبياء الذين جمعوا السلطةَ والرسالة ؟ الشيء الذي يألفه المسلمون هو هذا ، رغم أنّ هذا البحث بهذا العنوان قليلًا ما دُرس بشكل مركّز ، ولكنّ بعض من تناوله اعتبر أنّ النبيّ مارس السلطة عبر جباية الزكاة وعبر السقاية وإدارة الحجّ ، وعبر الجيش والجهاد وتنظيم الأمور والاهتمام بالمساجد ومراكز تعليم الشريعة ، ونصب القضاة والولاة ، ومقيمي الحدود ومجري القوانين . ويتوقّف عبد الرازق عند الجهاد الذي لم يكن ليمارسه النبي لفرض الدين على الناس فالأديان لا تقوم بالفرض ، بل من الطبيعي أنّه مارسه لبناء الملك . يعتبر عبد الرازق أنّ هذه الصورة التاريخيّة لا تكفي للوصول إلى الاستنتاج النهائي ، إذ ما زال هناك سؤالٌ جادّ وهو : هل كلّ هذه التجربة النبويّة كانت تمثل جزءاً من الرسالة بحيث تكون رسالته البيان والتنفيذ معاً ؟ يكاد يقرّ عبد الرازق بأنّه لم يتحدّث في هذا الأمر أحدٌ عدا من أنكر ضرورة الخلافة أصلًا ممّن ربما يكون قوله راجعاً لهذا ، لكنّه مع ذلك لا يرى هذا القول كفراً ولا شركاً ولا إلحاداً ، بل هو يرى أنّ العلماء المسلمين لم يجعلوا التنفيذ جزءاً من الرسالة عندما كانوا يتحدّثون عنها إلا ابن خلدون الذي يرى عبد الرازق أنّ كلامه ينافي روح فكرة الدعوة الدينيّة التي لا تقوم بالغلبة ، بل يصرّ عبد الرازق : إذا كان النبيّ ملكاً ضمن رسالته ، فلماذا خلا تاريخ النبوّة من أركان الدولة ؟ ! فليس هناك من نصب الولاة والقضاة ، ولا تكلّم عن قواعد السلطة وإدارة الملك أو الشورى ، ولماذا ترك الناس بعده حيرى في كيف يديرون أمورهم ؟ ! يحاول الفريق الآخر هنا أن يقدّم أجوبة فيذهب بنا في البداية لتأكيد وجود نظام حكومي كامل في العصر النبوي ، ويبرّر عدم وضوح الصورة بعدم وصول كلّ المعلومات التاريخيّة ، ويعترف عبد الرازق بإمكانات الجهل هذه ، لكنّه يسأل لماذا خفيت علينا هذه المعلومات ؟ وما سبب اضطراب الصورة ؟ ربما يلتمسون جواباً آخر ، وهو بساطة السلطة النبويّة حيث لم تكن الأمور بمستوى فرض أجهزة دولة كبيرة ، وهذه الأجهزة مصطلحات حادثة متأخّرة كانت تمارس ببساطة عالية آنذاك ، والنبيّ شخصية غير متكلّفة ، وكان يعيش البساطة في مجتمعٍ أمّي ؛ لهذا ما كانت كلّ هذه