ولزوم طاعته بعد هذا ؟ ! وكيف نحتجّ بإجماعٍ من هذا النوع ؟ !
وبهذا يخلص عبد الرازق إلى أنّه لا يوجد قرآنٌ ولا سنّة ولا إجماع معتبر هنا ، فلم يبقَ سوى دليل العقل الذي أشرنا له سابقاً ، وهو توقّف إقامة الدين وفرائضه على الخلافة . يُقارب عبد الرازق هذا الموضوع من زاوية أنّه لو قصدوا ضرورة أصل وجود سلطة مهما كان نوعها ، استبداديًةً أو ديمقراطية أو بلشفية أو اشتراكيّة أو . . فهذا صحيح ، في مقابل الفوضى العارمة ، لكن هل هذا يُنتج مفهوم الخلافة بالمعنى الذي عرفه المسلمون ؟ ! إنّ شعائر الدين وفرائضه لا تتوقّف - ويشهد بهذا التاريخ - على السلطة بنوعها الخاصّ المسمّى بالخلافة ، فهل كان الدينُ في بغداد تحت رعاية الخليفة أفضل منه في سائر بلاد المسلمين الذين حكموا بعيداً عن خلافة هذا الخليفة ؟ بل هل كانت الدنيا أفضل ؟
د - قراءة مختلفة لظاهرة السلطة في التجربة النبويّة
بعد هذه النتيجة ، لا يمكن لعلي عبد الرازق أن لا يقف مليّاً مع التجربة النبويّة نفسها هذه المرّة ، وهي التي تُخبرنا بأنّ النبيَّ مارس السلطة ، فكيف يقرأ عبد الرازق هذه التجربة ؟
إنّه يشرع بالتوقّف قليلًا عند التجربة القضائيّة ، فيرى أنّ النصوص قليلة للغاية في تجربة النبيّ القضائيّة ، وأنّ من ولاهم على القضاء لا يزيدون عن أصابع اليد الواحدة ، بل الروايات في توليتهم متضاربة . إنّنا لا نجد أبسط أشكال الدولة في التاريخ النبويّ ، فلا توجد شرطة ولا وزارات ولا ماليّة ولا غير ذلك ، فعادةً من يبحث في تاريخ دولة - كما يفعل العلماء في تاريخ الخلافة الأموية وما بعدها - يذكرون لك الولاة والقضاة والعمّال والموظفين والدواوين وأجهزة الدولة ، الأمر الذي لا نجد شيئاً منه في التاريخ النبوي ، ولهذا تراهم يتكلّفون في مقاربة هذا الموضوع نتيجة شحّ المعطيات . .
هذا كلّه يطرح السؤال المركزي الذي هو أصل فكرة علي عبد الرازق : هل كان النبيّ صاحب رسالة ودعوة دينيّة أو كان أيضاً صاحب دولةٍ سياسيّة ؟
يبدأ عبد الرازق بمقاربة هذا الموضوع بوجلٍ وحذر واضحَين ، ويتقدّم بشكل تدريجي ، فيقرّر في البداية نوعاً من التغاير الذاتي بين الرسالة والملك ، ففي ذاتهما لا تستدعي واحدة منهما الأخرى ، والتاريخ يدلّ على أنّهما افترقا ، بل أكثر الأنبياء لم يكونوا ملوكاً ، فهذا عيسى يترك ما