تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
جاهليّة وأنّ الأئمّة من قريش وأمثال ذلك . يتوقّف علي عبد الرازق أمام هذا النوع من الأدلّة القرآنيّة والحديثيّة ، ليرى أنّه لا يتضمّن مفهوم النيابة عن النبيّ . إنّه مهتمّ كثيراً بهذا المفهوم ، ويريد أن يخلع عن الخلافة مفهوماً من هذا النوع . إنّ جميع هذه النصوص لا تدلّ على فكرة النيابة عن النبيّ أو أنّ هذا الأمير هو ممثل الله أو الرسول أو أنّه يأخذ قوّته من الله سبحانه ، بل يذهب أبعد من ذلك حينما يرى أنّ منتهى دلالة هذه النصوص هو طاعة الإمام الذي بايعناه ، لكنّ هذا لا يعني أنّ علينا إيجاد إمامٍ لكي نبايعه ، بل لو بايعنا إماماً لزمنا طاعته ، فهذا مثل الوفاء للمشركين بالعهد لا يعني الرضا بالشرك ، ومثل الدعوة لإكرام الفقراء لا تعني الاهتمام بإيجاد الفقر في المجتمع لكي نكرم الفقراء ، وكذا الأمر بإطاعة الولاة الباغين وعدم الخروج عليهم لو كان فيه فتنة لا يعني الدعوة لاختيار ولاةٍ من هذا النوع . ينتقل بنا عبد الرازق هنا إلى مقاربة الخلافة من زاوية اجتماعيّة ، ليُحلّل ادّعاء الإجماع على لزوم نصب الخليفة بعد النبيّ ، ويشرع من الرصد التاريخي لمديات اهتمام المسلمين بعلوم السياسة ، فهو يرى أنّ ما تركه المسلمون في علوم السياسة والملك قليلٌ للغاية مقارنةً بما قدّموه في غير ذلك ، رغم أنّهم اهتمّوا بترجمة علوم اليونان الذين أكثروا من الاهتمام بعلوم السياسة وإدارة المدن ، فلم يولوا جمهوريّة أفلاطون ولا سياسة أرسطو ما أولوه لسائر أعمالهما ، رغم أنّه ما من خليفة أو حاكم عبر التاريخ الإسلامي إلا وكان له معارضون ، حتى امتلأ تاريخ المسلمين بالمعارضات السياسيّة ، ورغم هذا ما شهدنا لهم شيئاً مهمّاً في مجال علوم السياسة . وسبب هذا كلّه في رأي عبد الرازق هو أنّ المسلمين يعرفون المُلك بالاختيار ، لا بتنصيب أحد للسلطة عليهم من غيرهم ، ولهذا كانت السلطة عندهم - إذا أرادت أن تنجح - بالقهر والغلبة عادةً ، وهذا هو السبب وراء ضمور علوم السياسة عندهم ؛ لأنّ الحكّام كان لهم نفوذ السلاح على جميع مراكز التعليم نتيجة انتشار الاستبداد ، فلم يحيا علم السياسة ؛ لانّه يناقض مصالح الحكّام . . من هنا نفهم أنّ السلطة في التاريخ الإسلامي ما دامت تقوم بالغلبة والقهر وتحت ظلّ السيوف فكيف يمكن لنا أن نحتجّ بالإجماع على شرعيّة الخليفة ، وهو إجماع ينعقد تحت ظلّ السيف ، فمَن يجرؤ في تاريخ المسلمين على أن ينكر ضرورة الخليفة وشرعيّة وجوده
شمول الشريعة — صفحة 466 | حيدر حب الله