الاتجاه الأوّل : وهو يرى أنّ هذه السلطة جاءت للخليفة من سلطة الله سبحانه وسلطانه ، فالسلطة تنزّلت من الله للبشر ، والله هو صاحب السلطة المطلقة الحقيقيّة ، وهذا هو الرأي الأكثر شيوعاً بين المسلمين ، حتى أنّك تجد أنّ العديد من العلماء والرموز يضعون في مقدّمات كتبهم الكثير من المديح للسلاطين والخلفاء بأوصاف تُظهر أنهم ظلّ الله على الأرض .
الاتجاه الثاني : وهو مذهب بعض العلماء - منهم العلامة الكاساني ( 587 ه - ) - ويرى أنّ هذه السلطة يحصل عليها الخليفة من الأمّة ، فهي تقوم بتوكيله أو تفويضه بأمورها ، فالسلطة تأتي من الأمّة نحو الخليفة ، وليس من الخليفة نحو أحد دونه .
ويشبّه عبد الرازق هذا الخلاف في الداخل الإسلامي بالخلاف في العالم الأوروبي بين فلاسفة الاجتماع والسياسة ، ففيما يذهب توماس هوبز ( 1679 م ) إلى أنّ السلطة حقٌّ سماوي ، يرى جون لوك ( 1704 م ) أنّها منبعثة من الإرادة الشعبيّة .
هذا هو المدخل التعريفي الذي قدّم لنا به عبد الرازق صورةَ الخلافة ومفهومها في الأدبيّات الدينيّة الإسلاميّة ، لينطلق بنا في المرحلة اللاحقة للموقف من نصب الخليفة والمسؤوليّات التي تترتب على ذلك .
ج - المبرّرات الموضوعية لضرورة نصب الخليفة تحت مجهر النقد
يشرح لنا عبد الرازق أنّ مشهور المسلمين يرون وجوب نصب الخليفة عقلًا أو شرعاً ، فيما يشذّ قليلون عن هذا القول - مثل الأصمّ من المعتزلة ، وبعض الخوارج - والدليل الذي يقدّمه الفريق السائد تارةً هو الإجماع ، وأخرى هو أنّ الإمامة والخلافة ضرورة لقيام الحقّ والدين وفرائض المسلمين كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
هذا النوع من الأدلّة يثير حفيظة علي عبد الرازق ، ويوفّر له أرضيّةً لنقد الفكرة السائدة ، حيث يرى أنّ هذه الأدلّة خير شاهد على أنّ العلماء المسلمين لم يجدوا في القرآن الكريم الذي لم يفرّط في شيء ، دليلًا واضحاً على قضيّة حسّاسة بهذا المستوى ، ولهذا لجأوا إلى مقاربات عقليّة تارةً ، وإلى مرجعيّة الإجماع تارةً أخرى ، بل السنّة النبويّة هي الأخرى لم تتصدَّ لهذا الموضوع أيضاً ، بدليل أنّهم لم يذكروا شيئاً في السنّة يؤيّد فكرة ضرورة نصب الخليفة ، حتى جاء الشيخ محمّد رشيد رضا ليذكر نصوص وجوب لزوم جماعة المسلمين وأن من مات بلا بيعة مات ميتة