تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
عمله في هذا المجال ، لكنّه يرى أنّ القضاء في المفهوم السائد له هو شعبة من شعب الولاية والحكومة والسلطة ، الأمر الذي يضطرّه للذهاب خلف دراسة قضيّة الحكم ليكون ذلك مدخلًا واعياً لفهم مسألة القضاء والنظام القضائي ؛ لأنّ أساس كلّ حكم هو الخلافة والحكومة . وبعد مقدّمة تبدي في كلامه ملامح التواضع العلمي ، يشرع عبد الرازق في رصد مفهوم الخلافة في اللغة والاصطلاح الإسلامي السائد ، فيستنتج - بعد استعراض بعض النصوص العلميّة والفقهيّة - أنّ الخلافة هي نوع من الحكومة على أساس المعايير الشرعيّة ، وهذا يعني أنّ منصب السلطة هو في الأصل للرسول صلى الله عليه وآله ، لكنّ الخليفة بعد النبيّ يقوم بتولّي هذا المنصب عنه ، ومن هنا يكون الخليفة خليفة رسول الله ، وليس خليفة الله في رأي بعضٍ ، وهذا يعني أنّ تمام المناصب والولايات والسلطات التي كان يملكها الرسول في شعبه وقومه ، بتوجيه من الله سبحانه ، باتت ثابتةً للخليفة بعد النبيّ في إدارة أمور الناس كلّها على منهاج الشرع ، ويترتب على ذلك وجوب إطاعته ظاهراً وباطناً ، إلى حدّ تصبح قضيّة الطاعة جزءاً لا ينفكّ من الإيمان نفسه . بهذه الطريقة يصبح الخليفة سلطاناً مطلقاً تنبعث كلّ الأمور عنه ، وتملك تمام الأمور شرعيّتها من شرعيّته ، وبسبب ذلك لا شريك له ، بل كلّ من يملك سلطةً غيره إنّما يملكها بوكالةٍ منه وتفويض ، فالسلطة تتنزّل من الأعلى للأدنى وليس العكس . وهذه السلطة المطلقة التي بات يحظى بها الخليفة جعلت الفقهاء المسلمين يسعون لتقييدها خوفاً من طغيانها ، لهذا قيّدوها بأن تكون ممارَسةً على وفق الشرع ، فإذا انحرف الخليفة عن جادّة الشرع فقد سقطت خلافته وانتهى مفعولها ، وبهذا كلّه تتميّز الخلافة في المفهوم الديني السائد عن كلّ من الملك والسلطة السياسية الزمنيّة ، فالملك الطبيعي قائم على الشهوة والهوى ، فيما السلطة الزمنيّة قائمة على النظر العقلي ، بينما الخلافة قائمة على منهاج الشرع الحنيف . هذه الصورة التي يشرح عبد الرازق من خلالها مفهومَ الخلافة عند العلماء المسلمين ، تفرض عليه سؤالًا ملحّاً وهو : من أين استمدّ الخليفة سلطته العليا هذه ؟ ومن أعطاه هذه القدرة المطلقة ؟ يُرشدنا علي عبد الرازق إلى وجود اتجاهين هنا :
شمول الشريعة — صفحة 464 | حيدر حب الله