تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
وبلغ الأمر أوجه مع البروتستانتيّة في القرن السادس عشر الميلادي ، بالذهاب خلف فكرة الإيمان ، وأنّ العمل ليس سوى نتيج الإيمان ، لا أنّه شرطٌ من شروطه ، وهي قضيّة تركت تأثيراً كبيراً على الحياة المسيحيّة . لا أريد هنا أن أقول بأنّ اليهودية دنيويّة والمسيحيّة اخرويّة ، فهذا الكلام ليس دقيقاً من وجهة نظري ، لكن من الواضح أنّ تنظيم الشأن الدنيوي البدني المادي للفرد حاضر بقوّة في اليهوديّة أكثر بكثير من حضوره في المسيحيّة ، خاصّة البروتستانتيّة التي خفّفت من الشعائر ( من الأسرار السبعة إلى الاثنين ) وحيّدت سلطة الكنيسة . وسط هذا الثنائي اليهودي - المسيحي ، يبدو التصوّر النمطي عند الكثير من المسلمين قائماً على أنّ الإسلام قدّم رؤية معتدلة ومتوازنة بين الدنيا والآخرة ، وأنّه في الوقت الذي اهتمّ فيه بالدنيا أبدى اهتماماً بالآخرة كذلك ، وأنّه جمع بين الدنيا والآخرة ونظّمهما ، ولكنّ هذه القضيّة غير واضحة على طول الخطّ ، بل تختلف باختلاف المدارس الإسلاميّة من متصوّفة وعرفاء وفلاسفة ومتكلّمين وفقهاء ومحدّثين وغيرهم ، وحيث كان الفقه الإسلامي حاضراً بقوّة كانت دنيويّة الإسلام فعّالة أيضاً بهذا المعنى للدنيويّة ، أي تنظيم الشؤون المادّية للفرد والجماعة ، والتدخّل في سلوكهم البدني والمادي بشكل واسع . إنّ نفوذ الفقه الإسلامي والفقهاء في حياة المسلمين جعل القناعة الواضحة قائمةً على أنّ الإسلام يتدخّل بقوّة في تنظيم حياة الفرد والجماعة على الصعيد المادي لها ، من أحوال شخصيّة ، وقضايا ماليّة ، وفعاليّات بدنيّة مختلفة ، تصل إلى اللباس والطعام والشراب وغير ذلك . في هذا الوسط ، طرح بعض المفكّرين المسلمين في العصر الحديث تصوّراً آخر لموضوع هويّة الإسلام بين الدنيويّة والاخرويّة ، ومن أبرز هذه الشخصيّات التي عنونت مشروعها بهذا العنوان ، كان المهندس مهدي بازرگان الذي آمن بهذا التوجّه في أواخر حياته بشكل أكبر وأوضح ، ومن قَبْله الشيخ علي عبد الرازق . بدوري هنا سوف آخذ علي عبد الرازق ومهدي بازرگان بوصفهما أنموذجين فقط للتفكير الرسالي والأخروي للدين ، بعيداً عن المفهوم الواسع لدنيويّة الدين وسلطويّته وتدخّله في كلّ مساحات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة ، لنعالج نظريّة الرساليّة والاخرويّة من خلال هذين