تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
بالانقراض بعد تدمير المعبد الثاني حدود عام 70 م من قبل الرومان - إنكارهم الآخرة ؛ لأنّهم لا يعتقدون بغير التوراة مصدراً للمعرفة الدينيّة والتكليف الديني ، والآخرة غائبة من وجهة نظرهم عن التوراة على ما هو المنسوب إليهم . إنّ نهاية العالم وعاقبة المتقين في التصوّر اليهودي ظاهرة دنيويّة بقوّة ، تمسّ قوم بني إسرائيل ، ولا أريد أن انكر الآخرة في الفكر اليهودي ، لكن مسار التطوّر في النصوص اليهوديّة يعزّز فكرة الدنيا بقوّة ، وربما هذا ما زاد من ارتباط اليهوديّة والفرد اليهودي بالشريعة أكثر من ارتباطه بأيّ شيء آخر ، حتى أنّ الاعتقاد بوحدانيّة الله ليس سوى تكليف شرعي وواجب شرعي على الإنسان ممارسته ، فالرؤية اليهوديّة للاعتقادات هي رؤية شرعيّة فقهيّة ، والتقسيم الثلاثي الذي عرفه المسلمون ( العقائد - الأحكام - الأخلاق ) لم تعرفه اليهوديّة في الماضي ، وغالباً ما يغيب عنها لاحقاً ، ولهذا وجدنا أنّ موسى بن ميمون القرطبي كان أوّل من صاغ أصول الدين اليهودي الثلاثة عشر متأثراً بالتجربة الإسلاميّة . وفي مقابل هذه الهيمنة الفقهيّة لتنظيم حياة الفرد اليهودي بحيث تسيطر عليه الشريعة في كلّ حركاته ، مستقاةً من الكتاب المقدّس ( العهد القديم ) ومن التلمود ، رغم أنّ التوراة في التوصيف اليهودي لم تشتمل سوى على 613 حكماً فقهيّاً فقط . . نجد تحوّلًا واضحاً في المسيحيّة ، نحو الذهاب أكثر إلى البعد الملكوتي من الدين ( الدين بوصفه في السماء ) ، فلم يعد عيسى المسيح هو ( المسيا / الماشيح ) بالتصوّر اليهودي له ، بل تمّ تحويله إلى ( مسيا الملكوت ) ، فبدل أن يملك سلطان الأرض ها هو يملك سلطان السماء والملكوت ، ومملكته ليست هنا بل هي هناك ، وأنّ على المسيحيّ أن يعمل لكي يكون مع المسيح في مملكته السماويّة . لا أريد أن أذهب في الحديث بعيداً عن دور بولس ( ما بين 64 و 67 م ) في إيجاد تحوّل عميق في المسيحيّة ، كما يراه العديد من الباحثين المعاصرين ، ففيما كانت المسيحيّة في البداية ليست سوى حركة داخل - يهوديّة ، ها هي الآن تتحوّل مع بولس إلى حركة عالميّة ، وتحوّلها هذا صاحبه قرار مهمّ ، وهو أنّ غير اليهود من المؤمنين بعيسى المسيح لا يلزمهم الختان ، وشيئاً فشيئاً لم يعد يلزمهم أن يدخلوا في المنظومة الفقهيّة الشرعيّة التي لحقت بني إسرائيل ، وصارت الوصايا العشرة ومقولة الإيمان مع الالتزام بما تقرّره الكنيسة بوصفها ظلّ الله على الأرض وواسطةَ الفيض الإلهي ، هي العناصر الكافية في ذلك .