تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨

النظرية الأولى : نظرية اخرويّة الدين ورساليّته ( البُعد الأخروي للدين )

تمهيد

يتّجه أنصار هذه النظريّة إلى القول بأنّ الدين إنّما جاء لتنظيم البُعد الأخروي في حياة الإنسان وليس البعد الدنيوي ، فليست رسالة الدين تنظيم الحياة الاقتصادية والسياسية أو وضع خطط وبرامج لإدارة المجتمع اقتصادياً أو اجتماعيّاً أو صحيّاً أو غير ذلك ، وإنّما كان الغرض منه هو تنظيم علاقة الإنسان بربّه ودفعه لخوض التجربة الروحيّة والأخلاقيّة ، فإذا حمّلنا الدين مسؤوليّة وضع برامج للدولة والعلوم والتقدّم الصناعي والتكنولوجي والصحّة والاقتصاد والأمن وغير ذلك ، نكون قد وضعناه في مأزقٍ حرج واضطررنا لجرّ نصوصه نحو تأويلٍ مفرط . ولو أردنا مقاربة هذا المشهد تاريخيّاً في الفضاء الديني ، فسيبدو في انعكاسات التصوّر اليهودي والمسيحي للدين ؛ ففيما تتّجه اليهوديّة للنظر أكثر للبُعد الدنيوي للدين ، حتى أنّ فكرة الآخرة في الديانة اليهوديّة تبدو نصوصُها متأخّرةً زمناً عن عصر النبيّ موسى عليه السلام ، ولهذا نجد جدلًا واضحاً في وجود نصوص توراتيّة تتحدّث عن الآخرة ، ونلاحظ أيضاً تصوّرات ترى أنّ الآخرة ليست سوى النهاية السعيدة لحياة اليهود في فلسطين والعودة إليها ، وكذلك نحن نجد أنّ المنجي المخلّص ( المسيا ) يستهدف إعادة اليهود إلى أرض الميعاد كي يعيشوا فيها كما وعدوا وبسلام ورخاء ، حتى أنّ هناك من يرى أنّ القبور والجثامين اليهوديّة التي لا تكون في فلسطين ، سوف تُنقل بإرادة إلهيّة إليها ، ومن هنا نجد نقاشاً تاريخيّاً واضحاً في اليهوديّة حول قضيّة الآخرة بين الفرّيسيين والصدّوقيين ، ففيما اعتقد الفرّيسيّون بالآخرة وظهرت في أدبيّاتهم وتنامى ظهورها بعد القرن الثاني الميلادي بقوّة ، نُسب إلى الصدّوقيين - الذين أخذوا