منفعلًا أو غائباً أو منبوذاً ، وهذا ما يتطلّب إعادة منح العقل مرجعيّة قويّة ، وإعادة موضعة الشرع والوحي في إطار مجدّد ، وتغيير باراديم ومدار حركة الفكر الديني من خارج الإنسان إلى داخله ، وبهذا صار الإنسان وتقديره ومحوريّته النسبيّة أصلًا في الفكر الديني الحديث على مستوى الكثير من أطيافه .
لم يكن الفكر الإسلامي بعيداً كثيراً عن هذا الواقع ، لكنّه شعر بالهزات القويّة مؤخّراً منذ أواسط القرن التاسع عشر فما بعد ، وبهذا وجدنا اتجاهاً إنسانيّاً قويّاً في كتابات المفكّرين المسلمين خلال القرن العشرين ، ولكنّ الفقه الإسلامي المسكون بذهنيّة التكليف لم يستجب لهذا التوجّه بسرعة ، وكان نفوذ هذه الأفكار إليه تدريجيّاً ، في حين حظي الفكر الفلسفي والعرفاني بقبول أكبر لهذا الأمر ، خاصّة وأنّ التراث الصوفي الإسلامي زاخر بالنزعة الإنسانيّة ومقولات الإنسان الكامل والتعالي الإنساني والمحبّة والتعدّدية والتسامح وغير ذلك .
ربما لهذا السبب ، بدأنا نشهد في العقود الأخيرة نزوعاً واضحاً نحو التوجّه العرفاني والصوفي والروحي عموماً ، وفراراً نسبيّاً من سلطة الفقه والفقهاء ؛ لأنّ سلطة الفقه سلطة تكليف والإنسان فيها يشعر بأنّه باحث عن مسؤوليّته ، بينما إنسان العصر الحديث باحث عن حقوقه وذاته ومدارية الأنا الكبيرة التي فيه ، خاصّة في عصر ما بعد الحداثة الذي تميّز - حسب بعض التوصيفات - بأنّه عصر الإحساس (
Age of feeling ) .
من هنا نفهم لماذا كانت كلّ هذه التوجّهات المعاصرة مستهدِفةً الفقه الإسلامي بالخصوص « 1 » ، ومتفاعلةً مع النزوع الروحي ؛ لأنّها وجدت النزعة الإنسانيّة في التجربة الروحيّة عند جلال الدين الرومي وأمثاله .
ولأنّ مسار التحوّل نحو منح الإنسان موقعيّةً في الوجود لم ينفذ بقوّة إلى الفقه والمنظومة الشرعيّة ، رأينا جليّاً كيف أنّ هذه الملفّات تلقّفها الدرس الفلسفي وعلم الكلام الجديد ، ولهذا سوف نرى في هذا الفصل أنّ الكثير من النظريّات والمقاربات تمّ طرحها في سياق تكوين رؤية كلاميّة فلسفية حول الدين ، وغالباً ما تستهدف التحرّر النسبي من سلطة الفقه والعقيدة ،
هامش
( 1 ) هذا واضح من مختلف الكتابات ، وأنصح القارئ هنا بالرجوع لكتابٍ مرجعٍ يعطي إطلالة ، وهو ما حرّره تشارلز كورزمان ، تحت عنوان : ( الإسلام الليبرالي ، كتاب مرجعي ) ، في أكثر من سبعمائة صفحة ، فإنّه يوضح كيف أنّ أغلب الاهتمامات كانت ترجع - في مناشئها ومآلاتها - لنقد تصوّرات الفقه الإسلامي .