تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
القاضي عبد الجبار المعتزلي ( 415 ه - ) ، وعقلانيّة القرون الوسطى المسيحيّة واليهوديّة التي بلغت ذروتها مع مثل توما الأكويني ( 1274 م ) وموسى بن ميمون القرطبي ( 1204 م ) ، فتلك العقلانيّة لم تكن ترى حذف مرجعيّة الوحي ، أمّا هذه العقلانيّة فبدأت بفعل ذلك بالفعل ؛ لأنّ عقل عصر الأنوار هو عقل تجريبي بينما العقل الآخر ليس كذلك حصراً . وبدوران كلّ شيء حول العقل الإنساني التجريبي صار الإنسان هو المحور أكثر فأكثر ، واتجه عقل عصر الأنوار نحو الليبراليّة ، حيث تحرّر الإنسان من كلّ السلطات الأخرى غير سلطة ذاته وعقله ، وتشكلّت رؤية جديدة للمذهب الإنساني ، فالإنسانيّة لم تكن شيئاً جديداً ، بل عرفتها الأديان وعرفتها الفلسفة من قبل ، كما تجلّت في أعمال الفيلسوف الهولندي دسيدريوس إراسموس ( 1536 م ) في القرن السادس عشر ، لكنّ تلك الإنسانيّة لم تكن علمانيّة بالضرورة ، بينما هذه الإنسانيّة الآن صارت علمانيّة ، وبهذا تكرّست مدارية الإنسان في كلّ شيء . وبعيداً عن الزلزال الذي أحدثه عمانوئيل كانط ( 1804 م ) في نقده العقل ، والذي يؤرّخ بعضهم نهايةَ غرور عصر الأنوار به ، إلا أنّ هذا الإنسان الذي يتجه تدريجيّاً نحو مداريّة نفسه ، شعر بالثغرة الهائلة التي خلّفها غيابُ الشريعة والدين وسلطة رجال الدين وجهودهم التنظيميّة والإداريّة ، فالدين لديه برنامج واسع للحياة ، والشريعة والشعائر كانتا تعطيان طريقةً للحياة ونمطاً للعيش واستجابة لحاجات الإنسان اليوميّة ، وبخلوّ الساحة تدريجيّاً صار هنا خلأ عظيم ، سواء على المستوى الروحي أم على المستوى التنظيمي ، فظهرت مرجعيّة العقل الأخلاقي بوصفها بديلًا عن مرجعيّة العقل الإيماني الوحياني ، وظهرت العلاقة الروحيّة والأخلاقية بمعزل عن واسطة الوحي والنبوّات في المذهب الربوبي (
Deism )
منذ القرن السابع عشر ، بل في القرن العشرين تعزّز موقع الإلحاد (
Atheism )
ليغيّب الله عن الساحة كلّها في بعض الأوساط . أمام هذا المدّ الإنساني العظيم ، وهيمنة فكرة الحقوق على فكرة التكليف ، وفكرة الإنسان على فكرة الله ، وفكرة العقل على فكرة الوحي ، ظهرت الاتجاهات الدينيّة التي أرادت أن تتخذ موقفاً هنا ، ففي الوقت الذي رفض بعضها كلّ هذا الفضاء تماماً ، اتجه آخرون لتكوين رؤى دينيّة جديدة تقدّم الدين ضمن دور حقيقي للإنسان ، فالإنسان فاعلٌ قوي في الصورة وليس
شمول الشريعة — صفحة 455 | حيدر حب الله