تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
وبنفس الدرجة نجد أنفسنا نعود عدّة قرون إلى الوراء حيث ينطلق الجدل حول سلطة الله وسلطة الإنسان في الوجود ، ليبلغ ذروته في بعض الاتجاهات المتشدّدة في الفلسفة الوجوديّة المعاصرة ، والتي فرضت نفسها حتى على الفكر الديني الذي صار مطالباً ببناء منطومة دينيّة يحظى الإنسان فيها بنصيب الأسد . فتصوير الإنسان ضمن منظومة الخطيئة الأولى في الفكر المسيحي ( خاصّةً الأوغسطيني - والبروتستانتي في القرنين السادس عشر والسابع عشر ) ، والتي أحدثت دماراً هائلًا في بنيته وطبيعته أقعده عن إمكانيّة النهوض ، ممّا جعل الدور الوحيد من نصيب السماء التي بالفيض تُقدر الإنسان على النجاة ، بل بالفيض تعتبره صالحاً وعادلًا ، وإلا فهو لن يكون كذلك على أرض الواقع أبداً . . هذا التصوير المسيحي لدمار الطبيعة البشريّة وعجز اتّباع الشريعة عن الخلاص وتحقيق النجاة ، رفع مستوى الإيمان ، وصار الإيمان سبيل الخلاص ومقدّمةً للفيض الذي بشموله لحالنا يمكننا أن ننجو ونصلُح نوعاً ما . هذا التصوير عزّز على المقلب الآخر من السعي لتأكيد صلاح الإنسان وإعادة الاعتبار له ، وأنّ الطبيعة الإنسانيّة ليست ملوّثة ورديئة إلى هذا الحدّ . والقضيّة لم تقف هنا ، بل في الوقت الذي كان الوحي واللاهوت هما مرجع الحياة وصاحب القرار ، تحوّلت الأمور فصار العلم والعقل هما مدار الأمور ، وعلى الوحي أن يأخذ مساحته ويعيد انتشار نفسه دون طغيان على الإنسان والعقل ، وهذا ما شهدناه في عصر الأنوار ، فبصدور كتاب الأرغانون الجديد للفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون /
Francis Bacon ( 1626
م ) أوائل القرن السابع عشر ، بدأت الرحلة الفلسفيّة لحذف المنطق الأرسطي لصالح المنطق التجريبي ومرجعيّة العلم بالمعنى الحديث للكلمة ، بعد أن بدأت الرحلة العلميّة في القرن السادس عشر بتعرّض فلكيّات بطلميوس وطبيعيّات أرسطو - وما تزالان - لانهيارات كبيرة مع نيكولاس كوبرنيكوس ( 1543 م ) وغيره . وحلولُ التجربة والحسّ واصل طريقه ليبلغ ذروته مع مثل جون ستيورات ميل ( 1873 م ) وغيره . لقد واصل عصر الأنوار طريقه ليؤكّد مرجعيّة العقل الإنساني حاذفاً مرجعيّة الوحي من الحساب ؛ لأنّها لا تخضع للتجربة والحسّ ، وبهذا ميّز طريقه عن عقلانيّة الفلسفة المشائيّة الإسلاميّة مع مثل الفارابي ( 339 ه - ) وابن سينا ( 427 ه - ) ، وعقلانية الكلام المعتزلي مع مثل
شمول الشريعة — صفحة 454 | حيدر حب الله