تمهيد
تمثل فكرةُ عدم شموليّة الشريعة وتغطيتها لكلّ جوانب الحياة بالمفهوم المدرسي لها ، الأساسَ المشترك الذي ينطلق منه الفريق الداعي لتقديم صياغة مختلفة حول طبيعة علاقة الشريعة بالحياة ؛ ففي الفصل الثاني كنّا نرى أنّ المحاولات برمّتها تتجه لتقديم تفسير لشمول الشريعة للحياة يُقدرها على إدارة المتغيّرات ومتابعة المستجدّات ، أمّا في هذا الفصل فالموقف مختلف تماماً ، حيث لم تعد شموليّة الشريعة أصلًا موضوعاً وقاعدةً تحتيّة ينطلق منها الباحث أو الفقيه ، بل على العكس تماماً تصبّ المحاولات الآتية هنا لتقديم فهم للدين يُخرجه عن هذه السعة وهذا النفوذ المطلقَين في كلّ صغيرة وكبيرة من قضايا الحياة .
وحيث لم تعد الشريعة شاملةً ولم يعد الدين ( والوحي ) كلَّ شيء في إدارة الحياة ، صار هذا الاتجاه مطالباً بتقديم صيغته الخاصّة التي تستهدف تحديد طبيعة ومساحة نشاط الدين في الحياة ؛ فإذا لم يكن الدين ولا الشريعة مستوعبَين لكلّ قضايا الحياة ، إذاً فماذا يستوعبان ؟ هل ينبغي حذفهما بالكليّة أو أنّ هناك مساحة محدّدة تشتغل عليها الشريعة ولا تتعدّاها تاركةً سائر المساحات إلى سلطة أو مرجعيّة أخرى ؟
إنّ الجواب عن تحديد المساحة بعد التخلّي عن فكرة الشمول ليس سهلًا أبداً ، فلكي تكوِّن نظريّةً جادّة عليك الذهاب حتى النهاية في تقديم تصوير للقضية المبحوث عنها ، وهذا هو التحدّي الكبير الذي يواجهه أنصار اتجاه عدم الشمول ، وللجواب عنه صارت هناك نظريّات أو صيغ وأشكال لتصوّر مساحة فعاليّة الشريعة في الحياة ، كما سوف نرى إن شاء الله سبحانه .
إنّ الحديث عن مساحة الدين في الحياة والوجود الإنساني يساوي - على المقلب الآخر - الحديث عن حدود فعالية السلطة المرجعية الموازية المفترضة ، والتي هي في العادة سلطة الإنسان والعقل والتجربة البشريّين ، وبهذا نجد أنفسنا تلقائيّاً هنا أمام ثنائيّة الله والإنسان ،