تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
الغرب ، بل هو قبل ذلك نظامُ الحياة الصناعية وما بعد الصناعيّة الذي أولدته تطوّرات العلوم الطبيعيّة والإنسانية في العالم ، فمن لديه موقفٌ من واقع العصر فليكن له موقف هنا ، وتلك الأمثلة التي أعطاها شمس الدين للتحدّيات الجديدة كلّها إفراز لتطوّر الحياة ، لا لنمط الحياة الغربيّة بالضرورة ، مثل النموّ السكاني الذي بات أحد نتائج تطوّر الطب وعلوم الصحّة والحياة ، وكذلك التلقيح الصناعي ، وأسلحة الدمار الشامل ، وبيع الأعضاء ، والسيطرة على الفضاء ، وقضايا البيئة الناتجة عن التطوّر الصناعي ، وقضايا الاستهلاك لثروات الطبيعة الناتجة من تطوّر الآلة ، فضلًا عن قضايا أخرى كثيرة . والخلاصة : إنّ التكيّف مع العصر له معنيان : سلبي وإيجابي ، فأمّا السلبي فهو عيش عقدة النقص أمام كلّ ما يأتي من الغرب من ثقافات ومسلكيّات وقناعات في قضايا الإنسان وهويّته وحياته ، وأمّا الإيجابي فهو ما يفرزه التطوّر الطبيعي للعلوم البشريّة ، إلا إذا كان للفقه موقفٌ سلبي من العلوم وتطوّرها ، وإذا كان هناك موقفٌ أخلاقي فإنّ شمس الدين لم يُظهره لنا في نظريّته هذه ، بل بدا قاصداً الوصول إلى صيغ تنظيميّة في مخرجات الحضارة الحديثة ، وليس الوصول إلى صيغ إلغائية لهذه المخرجات . إنّنا نؤمن بمبدأ المعرفة للتغيير لا للتبرير ، لكنّ هذا أمرٌ يختلف عن التحوّل الطبيعي للحياة . وبعد أن يخطّئ شمس الدين هؤلاء في أساسهم ، يرى أنّ حلّهم غير صحيح ؛ لأنّ منطقة الفراغ لا تختصّ بالوليّ الفقيه ؛ إذ ما يقوم به ليس سوى إجراءات إداريّة وتنظيميّة وليست أحكاماً شرعيّة ، وهذا يناقض ما قاله شمس الدين من قبل من أنّ الفقيه في منطقة الفراغ يقوم بالكشف عن حكم الله الواقعي ، ويناقض ما قاله أخرى من حمل مهمّة منطقة الفراغ على ظهر الفقيه تارة وعلى ظهر الوليّ أخرى ، والتفصيل بين الدوائر ثالثة . بل إنّ اعتبار شمس الدين المرونة لازمة ذاتيّة للإسلام ، ومن ثمّ فلا يمكن بناؤها على نظريّة ولاية الفقيه ، إذ لو بطلت ولاية الفقيه لبطلت مرونة الإسلام التي هي لازمة ذاتية له . . هذا الاعتبار غير مقنع ؛ لأنّ معناه أنّ نظريّة المرونة يجب حتى تصحّ أن تتكيّف مع كلّ النظريات الفقهيّة وتنتجها جميعُ النظريّات الفقهيّة ، مع أنّ هذا الكلام غير دقيق ولا يوجد ملزمٌ منطقي له ، فقد بنى شمس الدين نفسه نظريّة المرونة على نظام العناوين الأوّلية والثانويّة ، وحاول أن يبنيها على فكرة السنّة التدبيريّة ، مع أنّ الفكرة الثانية قضيّة يخالفها مشهور فقهاء الإسلام لو
شمول الشريعة — صفحة 443 | حيدر حب الله